بدايةً سأكشف حقيقة، أعتقد أن لو كل انسان قارئ للقرآن خاشع في قراءته متفكر ومتدبر لكلمات الآيات وأحرفها وهو يقظ تماما وواع خاشع ومتفكر بهم وبما تحمله الأحرف والكلمات من معان وأسرار في عمقها اللفظي والمعنى ، سيجد أن هذه الحروف القرآنية الاعجازية ليست حروفا عادية من صنع البشر كالإنجليزية والأوردية ..

 وغيرهما في كل اللغات البشرية وغير البشرية! وليست هي حروف عربية كتابية عادية نستعين بها في كتاباتنا. بالطبع لا . . فهي ليست كذلك ، بل هي حروف كتابية قرآنية عربية بليغة اعجازية ثابتة ومحكمة ، فحرف من حروفها بحور ومحيطات من المعاني يمكن اختزالها فيها ، وليست معاني كتابية فقط بل لفظية أيضا ، ففيها من الايقاعات الصوتية والنغمات اللحنية ما يجعلها تتشكل ببلايين ألحان النغمات الصوتية ، والدليل على ذلك هو ان كل انسان فرد عندما يقرأها يقرأ بنغمة لحن مختلف عن الآخر .

والصوت يخرج من حنجرة الانسان بقدر ما يستشعر به قلب الانسان ويحسه ويتفاعل مع الأحرف القرآنية التي يقرأها ، لذلك يجد الواحد منا عندما يقرأ القرآن يخرج بنغمات لحنية عديدة ، وفي كل مرة يقرأ فيها يخرج بنغمة لحن أو نغمتين للحنين أو ثلاثة بقدر استشعاره واحساساته وتفاعله مع تلك الحروف القرآنية وكلماتها. فالحروف القرآنية اعجاز عظيم شأنه شأن خلق الله جميعا ، وهي من صنع الله كمثل كل شيء من المخلوقات، فقد جعل الله المبدع من هذه الحروف حياة نابضة خافقة تنطوي على علوم ذلك السر الالهي المعجز: سر الحياة ، ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ، ولا يعرف سره بشر .. جعل الله منها قرآنا ، والفرق بين صنع البشر وصنع الله من الحروف والكلمات هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض.

(( ذلك الكتاب لا ريب فيه )) .. من أين يكون ريب أو شك فيه ؟ ودلالة الصدق واليقين اعجازية ثابتة محكمة فيه في كل حقائقها ، وظاهرة في عجز البشرية جمعاء وغيرهم من المخلوقات التي نعلم عنها والتي لا نعلم عنها عن صياغة مثل هذا القرآن من مثل هذه الحروف الواضحة الفصيحة الاعجازية الثابتة المحكمة ، فكانت هذه الحقيقة الثابتة المعجزة المحكمة هي الهدى، ولكن لمن؟!

لمن يكون ذلك الكتاب هدى ونورا ودليلا ناصح مبين له ! هل للمتقاعسين عن تعلم قراءة القرآن ومن ثم معرفة معانيه والغوص في أسراره ؟! أم للمتقين الذين تفتحت مغاليق قلوبهم به وله ، وتم تأهيلهم للانتفاع به ، ودخل قلوبهم يؤدي دوره فيه !! كيف لهذا القلب أن يتلفظ وأن يتلقى وأن يستجيب ؟!

لا بد لمن يريد أن يجد الهدى في القرآن أن يجيء اليه بقلب سليم أولا وقبل كل شيء ، بقلب خالص ، يخشى ويتوقى ، ويحذر أن يكون على ضلالة ، أو أن تستهويه ضلاله.. وعندئذ يتفتح القرآن الكريم عن أسراره وأنواره ويسكبها في هذا القلب الذي جاء اليه متقيا خائفا حساسا مهيأ للتلقي.

والأبعد من اختزل معاني وألفاظ النطق في حروف القرآن ، فقد اكتشفت في كل حرف من حروفه معاني رقمية أيضاً ، وبطرق اعجازية من صنع الله ، وهي أمام أبصارنا نراها ونقرأها ، ولكن للأسف الشديد نحن معشر المسلمين أبصارنا وبصائرنا كانت غائبة عنها لم نتنبه اليها ومنذ 1432 سنة ، وهذه مشيئة الله في قدره المكتوب . والحقيقة هذه عندما اكتشفتها أذهلتني ..

فقد تأكدت أن حقيقة علم الحروف الرقمي وهو علم الشفرة ليس علما بشريا ولا غير بشري ، بل هو علم قرآني وأنزل من عند الله منذ أكثر من 1432 عاماً وفيه من التحدي العظيم الاعجازي الثابت والمحكم للبشر ولغير البشر من العالمين ، وقد رأيت هذه الحقيقة وعايشتها وتحسست الاعجاز الثابت والمحكم فيها أيضا ، وقد أراد الله سبحانه وتعالى لي بمشيئته الشعور بها وتحسسها وكشف لي أسرارها . والاعجاز العظيم الذي شعرت به وعايشته وتحسسته هو ذلك القسم العظيم الذي أقسم الله سبحانه وتعالى به في مرة واحدة (58) مرة . .

فهل من يستطيع أن يتصور من البشر وغير البشر هذه الحقيقة في هذا المعنى الرقمي الاعجازي الثابت المحكم؟! نعم .. وانها ليست حقيقة واحدة ، بل ان كثيراً من الحقائق الاعجازية الثابتة والمحكمة وجدتها في سورتين من السور هما سورة (( يس)) و سورة (( ق ))، فقد تحسستها واكتشفتها ، وتبين لي ومن خلال كلمتين أن الله سبحانه وتعالى أقسم بقسم واحد (58) مرة في كل من سورة (( يس)) و سورة ((ق)).. ففي سورة يس جاء في قوله تعالى : (( يس * والقرآن الحكيم )) .

وفي سورة ق جاء في قوله تعالى : (( ق والقرآن المجيد )) فالقسم جاء اشارة الى كلمة القرآن الذي تكرر ذكرها (58) مرة في القرآن ذاته ، والاشارة بالقسم القرآن بعدد (58) مرة هو في ذاته تحدياً لغوياً ورقمياً معاً لم تستطع أن تتحسسه ولا تدركه العقول البشرية وغير البشرية خلال 1432 عام . ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعدى ذلك بكثير.. فقد جعل الله سبحانه وتعالى من عباده المسلمين عند قراءتهم لأي سورة منهما يقسمون بعدد المرات التي أقسم الله سبحانه وتعالى .