تختلف الذنوب عظما وصغرا باختلاف آثارها في النفس. والمجتمع يعظم الذنب وتعظم عقوبته إذا نال من كرامة الإنسان وانتقص من قدره وأخذ من حقه.

من الذنوب العظيمة والكبيرة والتي تجمع بين عقوبتي الدنيا والآخرة ذنبان: هما البغي أي: الظلم وقطيعة الرحم.

عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذنبان يعجلان، ولا يغفران: البغي وقطيعة الرحم).

أما البغي فهو: الظلم والعدوان على الخلق، سواء كان باللسان أو اليد أو الرجل أو غيرها من الجوارح.

الظلم ظلمات في الدنيا والآخرة، يورث الندامة ويديم الحزن والكآبة ويستحق صاحبه العقوبة العاجلة في الدنيا فيراها قبل موته.

وقد تضافرت الآيات والأحاديث في التحذير من الظلم. يقول تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيعٍ يطاع).

ويقول سبحانه: (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون). وروى الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليملي للظـالم ، فإذا أخـذه لم يفلته ) ثم قـرأ: ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليمٌٌ شديد).

 

والظلم أنواع وأشكال أشدها الشرك بالله قال تعالى ( إن الشرك لظلم عظيم )

ومنها ظلم النفس بأن ينحرف بها نحو الرذيلة ويتجه بها نحو مساوئ الأخلاق. وكان حقها أن تسلك منهج الخير والصلاح.

ومن الظلم ظلم الأسرة والأولاد فيقصر في تربيتهم وتعليمهم وينشغل عنهم فيعيشون أيتاما - وأبوهم على قيد الحياة قال عليه الصلاة والسلام: ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول ).

من الظلم أكل أموال الناس بالباطل من رشوة وغش في التجارة بتغيير في المواصفات التجارية وتزييف في علاماتها.. وكذلك أكل حقوق الموظفين والخدم أو تأخير أجورهم تقصيرا وإهمالا.

ومن الظلم تقصير الموظف في أداء المصالح العامة، كعدم الإيفاء بمتطلبات الأعمال، أو تأخير مصالح الناس ونحو ذلك.

او تقصيره في واجباته من تضييع للوقت وانشغال عن مسؤولياته . إلخ...

وأما قطيعة الرحم: فهي ذنب عظيم ، يفصم الروابط بين الناس ، ويشيع العداوة والبغضاء ، ويفكك التماسك الأسري بين الأقارب، ولهذا جاء الوعيد الشديد على قاطع الرحم بتعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة بالتهديد باللعنة والعمى والصمم قال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}.

بل إن قاطع الرحم محروم من الجنة قال صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة قاطع).

وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( قال الله تبارك وتعالى : أنا الله وأنا الرحمن ، خلقت الرَّحِم ، وشققت لها من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها بتَتُّه) . عقوبة من جنس العمل، قطع رحمه فبته الله أي قطعه عن رحمته ومغفرته.

 

وبالمقابل جاءت أحاديث كثيرة تبين عظم أجر صلة الرحم من أهمها أن تحقق للإنسان أسمى ما يتطلع إليه البشر وهو الثراء وطول العمر قال - صلى الله عليه وسلم - : ( من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) رواه البخاري ِ، وعند الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم محبة في الأهل ، مثراة في المال منسأة في الأثر ) . منسأة يعني تأجيل وبركة.

ومن فضائل صلة الرحم أنها أحب الأعمال إلى الله فقد جاء في الحديث: (أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم).

ومنها أنها طريق إلى الجنة قال -صلى الله عليه وسلم - :( يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام ) رواه أحمد وابن ماجة .

وتكون صلة الرحم بزيارة الأرحام والأقارب والسؤال عنهم ، وتفقد أحوالهم ، والإهداء إليهم، والتصدق على فقيرهم، وتوقير كبيرهم ، ورحمة صغيرهم وضعيفهم ، وعيادة مرضاهم ، وإجابة دعوتهم .

و بمشاركتهم في أفراحهم ، ومواساتهم في أتراحهم ، والدعاء لهم ، وسلامة الصدر نحوهم ، وأعظم ما تكون به الصلة أن يحرص المرء على دعوتهم إلى الهدى والخير والصلاح .