الحرية من أهم السمات الحضارية للمجتمع الإسلامي الناهض، لذلك أكّد عليها القرآن الكريم، وعالج مشكلاتها المرتبطة بالأمراض النفسية وثقافة الوأد ووساوس النفس الداعية إلى العبودية للذات والشهوات، وعالج مشكلات الكبت التي يمارسها الطواغيت، ودعا للكفر بالطاغوت ورفضه، ومجابهته باعتباره معيقاً لحركة المجتمع وفاعليته..
فعلى مدار التاريخ لم تعرف البشرية شريعة تعلي من قدر الحرية وتسمو بها وتفرضها لكل انسان منذ ولادته كالاسلام العظيم ، فها هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يؤكدها صراحة لابن عمرو بن العاص عامله على مصر بعد ان اقتص منه لابن القبطي ( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا ..)
فيسطرها التاريخ بأحرف من نور.. فربما عانى القبطي أو غيره من أبناء عشيرته من سياط الرومان، لكنه لما علم أن عدالة الإسلام، وعدل خليفته بخلاف ذلك ذهب ليأخذ حقه (في حادثة السباق المشهورة)، ويقتص من ابن والي مصر عمرو بن العاص رضي الله عنه.
وهذا ربعي بن عامر الصحابي الجليل يؤكد لأكاسرة الشرق، وكذا لقياصرة الغرب في آن معاً رسالة الإسلام، ولُبها ( لقد ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) فالإسلام جاء مُحررا للناس، لا فرق بين فرد وآخر بسبب من لون أو نسب أو عصب. جاء ليحرر العقل من عادات وتقاليد العبودية لغير الله تعالى، ويقضي على كل مظاهر العنصرية البغيضة.
يقول علي بن ابي طالب رضي الله عنه: (لا يسترقنّك الطمع وقد جعلك الله حرّاً)، و (لا تكونوا عبيد الأهواء والمطامع).
ان الحضارة المادية المعاصرة أوصلت الإنسان إلى حافة الدمار.. لأنها لا تحمل في طياتها المضمون الإنساني.. والهدف الحقيقي.. للكائن الحي ، اما القرآن فإنه يبين لنا ان من بين المهام التي كلف بها الرسول (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). الاعراف 157
فأعظم مهمة في رسالة النبي هي: تحرير الإنسان.. تحرير الإنسان من القيود التي تبعده عن الحق، تحرير الإنسان من الأغلال النفسية (الجبت) والأغلال الاجتماعية والسياسية (الطاغوت). فشرط الإيمان في رسالة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله): أولاً الكفر بالجبت والطاغوت.. أي رفض القيود والأغلال، وإزالة الأنظمة الجائزة، ومكافحة الطغاة من الخارج بعد تحرير النفس من أغلال الخوف والجبن والكبر والشهوات في داخل النفس.
إن أعظم ما قام به النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) وصنعه وقدمه للحياة والإنسانية: هو انه كسر عن الإنسان تلك القيود التي كانت تكبل عقله ونفسه، يديه ورجليه، وتمنعه من الانطلاق بحرية في الحياة من أجل تأمين سعادته واستقلاله وكرامته، لقد كانت القيود والأغلال النفسية والخارجية تكبل حياة الإنسان كثيرة.. ورهيبة...
وجاء محمد (صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلم)، برسالة الحرية، وكسر تلك القيود الواحد بعد الآخر.
ومن الطبيعي أن الإنسان إذا عرف الحق والخير، فإنه يقوم بدعوة الناس إليه، ويوجّه لهم النصح بأن ينتهجوا منهجه ويقتفوا أثره، خصوصاً إذا كانت له تبعات في الدنيا وفي الحياة الأخرى الأبدية، وهذه الدعوة هي لرفع حجب الجهل والغفلة عن عقل الإنسان لكي تصل به إلى طريق الهداية التي عرفها من الحق جل وعلا، يقول تعالى: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) الأعراف: 62.
لقد اهتم القرآن الكريم بتكوين مجتمع حر كريم، ووضع سمة الحرية ضمن سمات المجتمع الحضاري والمتمدّن الذي يدعو لإقامته الإسلام عن طريق الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، واعتبرها أصلاً من أصول المجتمع الحي، وعندما تتكوّن تلك الصفة فيه فإنها تخلق فيه روح النهوض والتقدّم، فلكي يكون المجتمع حيّاً وذا شخصية نابضة عليه أن يستجيب لدعوة الله تعالى والرسول الأعظم (ص)، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الأنفال:
