الوجود ليس متروكاً لقوانين آلية صماء عمياء. فهناك دائماً وراء السنن الإرادة المدبرة، والمشيئة المطلقة.. والله يخلق ما يشاء ويختار. كذلك تعلمت أن يد الله تعمل.. ولكنها تعمل بطريقتها الخاصة، وأنه ليس لنا أن نستعجلها، ولا أن نقترح عليها شيئاً، فالمنهج الإلهي كما يبدو في نور الهدى (القرآن الكريم) موضوع ليعمل في كل بيئة.

وفي كل مرحلة من مراحل النشأة الإنسانية، وفي كل حالة من حالات النفس البشرية الواحدة.. وهو موضوع لهذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض، أخذ في الاعتبار فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته، وقوته وضعفه، وحالاته المتغيرة.

ان ظنه لا يسوء بهذا الكائن فيحتقر دوره في الأرض، أو يهدر قيمته في صورة من صور حياته، سواء وهو فرد أو عضو في جماعة.. كذلك هو لا يهيم مع الخيال فيرفع هذا الكائن فوق قدره وفوق طاقته وفوق مهمته التي أنشأه الله لها يوم أنشأه..

ولا يفترض في كلتا الحالتين أن مقومات فطرته سطحية تنشأ بقانون أو تكشط بجرة قلم! الإنسان هو هذا الكائن بعينه، بفطرته وميوله واستعداداته، يأخذ المنهج الإلهي بيده ليرتفع به أقصى درجات الكمال المقدر له بحسب تكوينه ووظيفته. ويحترم ذاته وفطرته ومقوماته، وهو يقوده في طريق الكمال الصاعد إلى الله.. ومن ثم فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل الذي يعلمه خالق هذا الإنسان ومنزل هذا القرآن، ومن ثم لم يكن عجولاً في تحقيق غاياته العليا من هذا المنهج.

ان المدى ممتد فسيح، لا يحده عمر فرد، ولا تستحثه رغبة فان. يخشى أن يعجله الموت عن تحقيق غاياته البعيدة، كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذين يعجلون في الأمر كله في جيل واحد، ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصبرون على الخطو المتزن! وفي الطريق العجول الذي يسلكونه تقوم المجازر، وتسيل الدماء، وتتحطم القيم، وتضطرب الأمور.. ثم يتحطمون هم في النهاية، وتتحطم مذاهبهم المصطنعة تحت مطارق الفطرة، يدفعها من هنا، ويردعها من هناك، ويقومها حين تميل، ولكنه لا يكسرها ولا يحطمها.

انه يصبر عليها صبر العارف البصير الواثق من الغاية المرسومة.. والذي لا يتم في هذه الجولة يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو المائة أو الألف.. فالزمن ممتد، والغاية واضحة، والطريق إلى الهدف الكبير طويل، وكما تنبت الشجرة الباسقة وتضرب بجذورها في التربة، وتطول فروعها وتتشابك.. كذلك ينبت الإسلام ويمتد في بطء وعلى هينة وفي طمأنينة.

ويكون دائماً ما يريده الله أن يكون.. والزرعة قد تغطيها الرمال، وقد يأكل بعضها الدود، وقد يحرقها الظمأ، وقد يغرقها الري.. ولكن الزارع البصير يعلم أنها زرعة للبقاء والنماء، وأنها ستغالب الآفات كلها على المدى الطويل، فلا يتعجل ولا يقلق، ولا يحاول إنضاجها بغير وسائل الفطرة الهادئة المتزنة، السمحة الودود.. انه المنهج الإلهي في الوجود كله. والحق في منهج الله أصيل في بناء هذا الوجود، فليس فلتة عابرة، ولا مصادفة غير مقصودة.. ان الله سبحانه هو الحق، ومن وجوده سبحانه وتعالى يستمد كل موجود وجوده ((ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وان الله هو العلي الكبير)).

سورة الحج الآية 62-، وقد خلق الله هذا الكون لا يتلبس بخلقه الباطل ((ما خلق الله ذلك إلا بالحق)) سورة يونس الآية 5- ((ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك)) سورة آل عمران الآية 191 -، والحق هو قوام هذا الوجود، فإذا حاد عنه فسد وهلك ((ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)) سورة المؤمنون الآية 71 -، ومن ثم لا بد للحق أن يظهر، ولا بد للباطل أن يزهق.. ومهما تكن الظواهر غير هذا فان مصيرها إلى تكشف صريح ((بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)) سورة الأنبياء الآية 18 - صدق الله العظيم.