الحمد لله الذي أمرنا باغتنام أوقاتنا في أداء الطاعات وعمل الصالحات في مواسم الخيرات، ألا وهو شهر رمضان الكريم، شهر والغفران، شهر يزداد فيه رزق المؤمن، بذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن اغتنام الأوقات واستثماره: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خلفه لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا). عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري.

يا أخوة الإيمان أن الوقت هو حياتنا كالإنسان وهو كذلك من أعظم نعم الله علينا كمسلمين والمؤمنين، ولا شك ما مضى منه لا يعود علينا ولا يعوض، لهذا السبب حثنا ديننا الحنيف على اغتنام الأوقات والساعات في شهر رمضان المبارك من صيام وقيام وقراءة للقرآن وذكر الرحمن والحرص كذلك على الاستفادة من هذا الشهر المبارك ونستثمره فيما يعنينا وينفعنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك، أخرجه الحاكم في المستدرك. علينا يا أخوة الإيمان علينا أن نحرص على ساعات ثلاث: ساعة نناجي فيها ربنا سبحانه وتعالى في هذه الأيام المباركة ونكثر فيه من قراءة القرآن الكريم، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء.

وأن نجعل ألسنتنا رطبة بذكر الله وأن نغض أبصارنا عن ما نهانا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن نحافظ على الصلوات الخمس في اليوم والليلة مع مراعاتنا لصلاة التراويح مع الجماعة في المساجد، وأن نبر والدينا، ونخرج زكاة أموالنا ونكثر من الصدقات وإطعام الطعام وإفشاء السلام. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإكرام الضيف، وأداء حقوق الجار والأخوة في الإسلام، ومواساة الفقراء والمساكين ونتفقد أحوال الضعفاء والمساكين والمنكوبين، وقضاء حوائج المسلمين المحتاجين في هذا الشهر المبارك التي تضاعف فيه الأجر والثواب العظيم عند الله سبحانه وتعالى.

وساعة نحاسب فيها أنفسنا ما فرطنا فيها من جنب الله من ضياع أوقاتنا بما يغضب الله سبحانه وتعالى وبالأخص في هذا الشهر المبارك، وأن نبتعد من مجالس السوء واللهو، واللغو، وقول الزور والعمل به، وساعة نخلو فيها لحاجتنا من المطعم والمشرب الحلال، وينبغي علينا كمسلمين أن نقضي أعمارنا بإصلاح أمور ديننا ودنيانا بالالتزام أوامر ربنا سبحانه وتعالى، حتى تحقق لنا السعادة في الدارين. خير من نتأسى به في اغتنام الأوقات هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

والذي كان يعطي وقت حق له خير من اغتنم أوقات وساعات ودقائق هذا الشهر المبارك من صيام وقيام بين يدي ربه حتى تتورم قدماه صلى الله عليه وسلم، وما عرف عليه الصلاة والسلام الكسل أو الملل في طريق دعوته إلى الله سبحانه وتعالى، في ثلاثة وعشرين عاماً، بلغ رسالة ربه وبنى عليه الصلاة والسلام حضارة للإنسانية، لم يشهد لها التاريخ مثيلا، وقد شهد القاصي والداني بفضلها. أخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي ان ديننا الحنيف يدعونا إلى اغتنام أوقاتنا في هذا الشهر الكريم وأيامه الفضيلة وأوقاته النيرة وساعاته الجميلة في ما يعود علينا بفائدة من خيري الدنيا والآخرة.

بذلك أحبابنا الكرام جعل الإسلام بكل عمل وقت ولكل عبادة زمناً، وفي اليوم والليلة خمس صلوات الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كذلك جعل سبحانه وتعالى شهر رمضان وصيام رمضان في أيام معدودة، وفي شهر معلوم، وكذلك الحج في أشهر معلومة وإخراج الزكاة إذا حال عليه الحول، معاشر المسلمين نحن مسؤولون عن كل عمل نقوم به عن كل ساعة ودقائق نقضيها، وعن كل كلمة نتكلم بها ولا تنفعنا، وأنفقنا وقتنا في غير ما يرضي ربنا.

وقد ألحق تبارك وتعالى للعصر على خسارة من لم يملأ عمره بطاعة الله سبحانه وتعالى. يقول المولى جل وعلا في سورة العصر: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).