يقول الله تعالى في كتابه الكريم «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» (الأنعام: 159) والمتأمل في حقيقة هذه الآية؛ كما يقول الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر في القاهرة , يتبين له أن من المقرر شرعًا أن الأصل في المجتمع المسلم أن يكون أمة مترابطة بعيدًا عن الطائفية والعصبية والمذهبية، فالرسول الكريم قال (ليس منا من دعا إلى عصبية)، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ محذراً من العصبية (دعوها فإنها منتنة)، أي (نتنة) صدق الرسول الكريم.

فالدين الحق يدعو إلى مجتمع مدني سليم تصان فيه الحقوق والواجبات فلا طغيان لتيار أو مذهب على حركة المجتمع كما هو حادث في بعض الدول العربية الآن، حيث ظهرت تيارات سياسية تنسب نفسها إلى الدين وتدعو لازدراء وتنقيص المسلم وعدم التعايش مع الآخر وإهدار حقوق الإنسان، بحجة التشدد في الدين وما تروجه من التكفير والتبديع والزعم باحتكار الحق والصواب، والتغابي عن صحيح الدين، مع أن الترويج لمفاهيم تلك التيارات المتشددة يؤدى إلى إحداث فتنة في المجتمع الإسلامي.

وقد جاء البيان القرآني، حيث أمر الله عز وجل رسوله سيدنا محمد ـ صلى الهن عليه وسلم ـ بالبراءة من كل من فرّق أمر الدين وأهله إلى جماعات متناحرة وطرق متباعدة وعصابات ومذهبيات تشيع البلبلة والاضطراب في المجتمع، وكل الذين يعملون لإخضاع الإسلام لمصالحهم وأغراضهم وزرع الفتنة والخلاف في داخل مجتمعه، بقوله «لست منهم»؛ أي أنه أوجب براءته منهم.

وقد روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الآية أن الذين فرّقوا دينهم هم أهل البدع والشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة، وعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعائشة: إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعًا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة فقال: يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا برآء.

إن هذه الآية لطالما تستوقفني عندما أتأمل الواقع المعاصر، حيث طفا على السطح بعض من تلك التيارات التي تسعى للوصول إلى سدة الحكم أيا كانت الوسيلة وأخرى تسعى لتحقيق مطامع إقليمية، والدين هو الضحية، فهذا الواقع المعاصر يرتبط بالنص القرآني فهل تعقله تلك التيارات والتي تروج لمطامعها باستحلال الأموال والأعراض عن طريق العنف الفكري والمسلح.

وختاما: إن النص القرآني يؤكد أن الدين الحق لا مذهبية به ولا طائفية بل كما قال تعالى «هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ» وقوله أيضا: «وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» (الروم: 31،32).