لا شك أن المودة والمحبة تزداد كلما أخلص الجار لجاره وراعى حقوقه، وحافظ على أهله في غيبته وفي حضوره وبذل الخير له ولأهله في المناسبات المختلفة، الأمر الذي يجعل الواحد يفخر ويشرف بجاره الأمين الذي يشاركه بفكره وجهده وماله في أفراحه وأتراحه، لا لغرض دنيوي، بل ابتغاء مرضاة الله.

يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره.

وتزداد سعادة الإنسان عندما يوفقه المولى عز وجل إلى جار صالح يعرف الخير لأهله ولمن جاوره ولا يتقاعس عن فعل الخير لأبنائه، وخاصة إذا كان في وظيفة مرموقة، فيساعدهم في إيجاد عمل يتناسب مع مؤهلاتهم مما يجعل كل من جاوره يدعون له بالتوفيق والسداد والصحة والعافية كي يظل يقدم الخير للمحتاجين.

قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره).

والجار الصادق في إيمانه لا يحتمل أن يكون جاره في ضيق وهو في بحبوبة من العيش ولا يمد يد المساعدة له.

يقول صلوات ربي وسلامه عليه: «ما آمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم». (رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن).

ولا شك أن كل من يجاور الصالح يتأثر به وبسلوكه الطيب فيقلده في كل ما يصدر منه من قول وعمل، فلا يصدر منه ما يؤذي جيرانه حتى وإن صدر منهم بعض الهفوات ولا يقابل السيئة بالسيئة، بل يدفع بالتي هي أحسن كما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).

ويخص المسلم بإحسانه جيرانه المسلمين وغير المسلمين، ويقدم في إحسانه الأقرب فالأقرب، مراعيا قوة العلاقة بين الجارين المتلاصقين وما يكون بينهما عادة من حساسيات يجب مراعاتها، استيفاء للمودة والمحبة، ولذلك جاء في المثل العربي «الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق».

وقيل: إذا احترق منزل جارك فإنما المقصود أنت. وقيل: من كان له جار ممتاز فإنه يملك كنزا ثمينا ووجود الجار الصالح بين جيرانه يكون عونا لهم في حل مشاكلهم وإجراء الصلح بينهم نظرا لصدقه في القول والتزامه بهدي الإسلام.

والناظر في دنيا الناس يجد قليلا من الجيران يتعارفون فيما بينهم ويسألون عن بعضهم البعض، إلا أن الغالبية منهم ممن أخذته الحياة المادية ولأواؤها، وشغلتهم عن جيرانهم وأهليهم، فأصبح الواحد متقوقعا في بيته وسط عياله يرعى مصالحهم ويلبي طلباتهم الكثيرة التي صارت لا تنتهي لأن الأبناء صارت عندهم تطلعات تفوق ما يمتلكون من مال وصار الوالد يلهث في عمل إضافي كي يوفر نفقات الأولاد والبنات كي يستر نفسه أمام الآخرين، ومن هنا تجده لا يسأل عن أهله ولا أقاربه ولا جيرانه خشية أن يكلفه ذلك أكثر مما يطيق، ونسي أمثال هؤلاء الذين يلهثون وراء المادة أن الإنسان القنوع والأسرة القنوعة يمكنهم أن يدبروا أمورهم في حدود إمكاناتهم.

وكما يقولون في الحركة بركة وربما يكون في اختلاطه بالآخرين ما يفتح له بابا من الخير، فأهل الخير كثر ويريدون أن يصل خيرهم لغيرهم المحتاجين، لكنهم قد لا يعلمون أين هم كي يصلوهم من قبيل إدخال السرور على الغير، وخاصة لو كان جارا قريبا أو بعيدا، أما لو أقفل الإنسان الباب على نفسه وعياله ولم يكلم أحدا من أهله أو جيرانه، فإنه يجد صعوبة حتى في تزويج بناته إن كان لديه بنات، فالانفتاح المسؤول على الآخرين قد يكون فيه الخير الكثير له ولأولاده، فخير الناس من يخالط الآخرين ويصبر على أذاهم.

قال بعضهم: والناس في حاجة للمرشدين وهل يوما بغير دليل يهتدي الشقي والناس في حاجة دوما لذي ثقة بنفسه ليقيهم ما به عثروا.