يجد المسلم الموفق راحته في مراقبته لخالقه في أي عمل يقوم به، فيخلص فيه قاصداً وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت، فمن كان يرجو لقاء ربه، فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً (رواه الحاكم والبيهقي).
أي الذي يطلب نعيم الله ورضوانه ويتجلى عليه ربه بإحسانه فليتحر العمل الذي أمر به ولا يجعل له شريكاً قاصداً وجه الله فقط، ولا يقول هذا لله ولأخي أو لعمي أو لرحمي، وتكون أنواع طاعة ربه قاصرة عليه فقط ويستعين بالله فقط ويرجو الله فقط.
ويعجب الإنسان من شخص أسبغ الله عليه من نعمه التي لا تعد ولا تحصى، واستغل ما يتمتع به من وسامة ووجاهة ولسانه حلو الكلام يستخدم كل هذه النعم في الكذب على الناس والضحك عليهم لتحقيق ما يريد من كسب سريع، حتى لو أخذ اللقمة من فم صاحبه أو زميله في العمل، فيتظاهر أمام المسؤولين بالصلاح والتقوى وهو غير ذلك من أجل أن يفوز بترقية تجعله في قمة الهرم الوظيفي، معتمداً في ذلك على وسامته وقدراته في حبك الكلام الذي يوصله لما يريد، وبعدما يحقق مبتغاه يظهر على حقيقته من نفس حقودة لا تحب الخير إلا لها فقط.
وهذا شأن المرائين التظاهر أمام الناس بالعمل الصالح وليس همهم مرضاة الله عز وجل، وقد قال الحق سبحانه وتعالى: (يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً) «النساء: 142».
فالإنسان المداهن المتملق باعث الفتن وناشر الدسائس بين المتصافين، أكثر عداوة لله تعالى، ويُحسب من شرار الناس.
والمؤمن الحق هو الذي يجتهد أن تكون أعماله بعيدة عن الرياء والعجب والمباهاة، كالذي يتباهى بما حققه في فترة زمنية قصيرة قد حققه غيره طوال حياته، فيجتهد أن تكون أعماله كلها لله ولا يشرك أحداً في نيته خشية أن يرد الله عليه عمله ويحرمه من الثواب كمن قاتل ليتحدث الناس عن شجاعته، وكذلك العالم القارئ والغني الجواد اللذان حرما الثواب لأنهما أخذا حقهما من المديح والثناء.
روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون الناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله عز وجل: أبي يغترون أم علي يجترئون، فبي حلفت لأبعث على أولئك منهم فتنة تدع الحليم حيران. (رواه الترمذي)
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تحبّب إلى الناس بما يحبون وبارز الله بما يكرهون، لقي الله وهو عليه غضبان (رواه الطبراني في الأوسط).
وإذا أخلص المؤمن نيته وعاش مع الله معتمداً عليه في كل خطواته قبل عمله، وهداه إلى ما يحبه ويرضاه، وكلما حسن باطنه بالإخلاص، فقليل من عمله ككثيره في رضا الله عنه.
والواجب ألا يبحث الإنسان عن أكبر متعة، بل عن أشرف متعة في الإخلاص في عمله ابتغاء مرضاة الله عز وجل مع ضرورة البعد عن الرياء وحب الظهور الكاذب، فقد قيل: الرياء نقيصة تشرع الأبواب على سائر النقائص.
وقال قاسم أمين: اللذة التي تجعل للحياة قيمة ليست حيازة الذهب، ولا شرف النسب، ولا علو المنصب، وإنما هي أن يكون الإنسان قوة عاملة ذات أثر خالد في العالم.
وقال الإمام علي رضي الله عنه وكرّم وجهه.. احصل نفسك ميزاناً في ما بينك وبين غيرك فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تُظلم، واحسن كما تحب أن يُحسن إليك، ولا تقل ما لا تحب أن يُقال لك.
