المؤمن الذي يتمتع بعقل واع يدفعه إيمانه الحق إلى استغلال كل دقيقة في حياته بما يعود عليه بالفائدة في الدنيا والآخرة، فيقضي وقته الذي هو مادة الحياة في عمل يتكسب من ورائه كي يعيش مستور الحال هو وأسرته وكي يحقق ما يصبو إليه وحتى لا يكون عالة على غيره، وعليه وهو يعمل أن يخلص في عمله ويراقب ربه في أدائه لمهام وظيفته، فلا يغش ولا يخدع ولا يسرق لأن الإنسان لا يعرف متى ينتهي الأجل. وعليه أن يصقل الجانب الروحي بأداء ما افترضه الله عليه ويكثر من ذكر الله وقراءة القرآن الكريم وسماع الموعظة الحسنة.

روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. (رواه البخاري)

ومن رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عمر رضي الله عنهما كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل واعدد نفسك في الموتى، وإذا أصبحت نفسك فلا تحدثها بالمساء، وإذا أمسَت فلا تحدثها بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك ومن شبابك لهرمك ومن فراغك لشغلك ومن غناك لفقرك، ومن حياتك لوفاتك، فإنك لا تدري ما اسمُك غدا.

والمعنى أن الشخص يجعل الموت بين عينيه فيسارع إلى الطاعات ويغتنم الأوقات فلا يضيعها سدى ويبادر إلى استغراقها بالتقوى والعمل الصالح في حال صحته وفتوته، ولا ييأس إذا لم يوفق لعمل يعينه في هذه الحياة وعليه أن يسعى ويطلب من ربه مفرج الكروب.

قال صالح بن عبد القدوس:

لا تيأس من انفراج شديدة

قد تنجلي الغمرات وهي شدائد

كم كرية أقسمت ألا تنقضي

زالت وفرجها الجليل الواحد

ويقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه في الحديث:

احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا.

واليأس طريق سهل لا يسلكه إلا العاجزون، والإنسان الواعي هو الذي يسعى ولا يضيع الوقت في درب الحظ، فخير له أن يعيش على الأمل في رحمة الله التي وسعت كل شيء، بدلاً من العجز والكسل، فإذا لم يعرف قيمة الوقت، فلن يعرف قيمة الانتصار، فكل حركة وهمسة منا يجب أن تكون في الطريق الموصل لمرضاة الله، ويجب أن تكون نظيفة وطاهرة وإلا احتاجت إلى تطهير بالتوبة وإلى الله.

قال تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً)، المؤمن الحق هو الذي يراجع نفسه أولاً بأول بحيث يتصرف وفق هدى الإسلام، فلا يكذب ولا يغش ولا يقول إلا ما يرضي المولى عز وجل ولا يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله.

وهذا يحتاج إلى قدرة إيمانية لإنقاذه من براثن الانحراف بل ويحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى توفيق الله الذي يتوب على من تاب.والوقت كفيل بمحو الآلام والأحزان وتسكين الحقد والغضب، وإطفاء نار الخلافات والصراعات، وما أكثر من يضيعون الوقت في جمع المال ثم يضيعون المال في قتل الوقت.

وما أكثر الناس الذين يضيعون الوقت في مشاهدة التلفزيون، فيشاهدون الأشياء التي تجعلهم يأثمون لدرجة أن البعض يؤخر الصلاة فلا يصليها في وقتها فيفوته الخير الكثير، لأنه يميل إلى محبوباته الدنيوية التي جبلت النفوس على الميل إليها من غير مجاهدة واحتمال مشقة وحتى يكون على الطريق الصحيح عليه أن يأخذ نصيبه من الدنيا ويعمل في نفس الوقت على ما ينفعه في آخرته.

قال تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين).

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض خطبه ومواعظه: أيها الناس لا تشغلنكم دنياكم عن آخرتكم، ولا تؤثروا أهواءكم عن طاعة ربكم ولا تجعلوا إيمانكم ذريعة إلى معاصيكم وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، ومهدوا لها قبل أن تعذبوا وتزودوا للرحيل قبل أن تزعجوا فإنما هو موقف عدل واقتضاء حق وسؤال عن واجب، ولقد أبلغ في الاعذار عن تقدم في الإنذار.