إن حكمة التحدي الذي جاء به القرآن يشهد له التاريخ في كافة الأزمنة والعصور والى يومنا هذا، والى أن تقوم الساعة سيظل التاريخ شاهداً بعجز العرب وهم الخطباء اللد والفصحاء اللسن، وكل العالمين عنه - وكما جاء في قوله تعالى في سورة الجن الآيات 1/2/3 : (( .. انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً * يهدي الى الرشد فآمنا به.

ولن نشرك بربنا أحدا * وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا *))- سورة الجن الآيات 1/2/3 - وحتى لا يظهر في أي زمان أعجمي شعوبي كاذب أو منافق أو ذو غفلة فيزعم ما عجز عنه العرب أمام هذا التحدي القرآني (( قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين. فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين )).. سورة القصص- الآيتان 49/50 .

والقرآن لا يزال يجهل حقيقته وسماحته أكثر سكان الأرض من البشر، مع أن الإنسان قد نال الكثير من العلوم، ولو درس القرآن دراسة مفرغة من أي تأثير وراثي أو عاطفي أو انقيادي أعمى لانبهر بروعته وانقادت نفسه طواعية إلى اعتناق الإسلام والأخذ بالتعاليم القرآنية الواضحة لما يرى في هذا القرآن مما يبل ظمأه الروحي وما يشفي صدره من النكد والآلام النفسية .

هذه الصورة الرائعة التي يتلقاها الدارس للقرآن لا يلبث أن يرى نقيضها عند التأمل في حال من هم كغثاء السيل، والحقيقة أنهم قد ابتعدوا عن نهج القرآن، فوصلت أحوالهم إلى ما وصلت من الذل والهوان . فإذا كان هذا حال المسلمين الذين لا يحملون من الإسلام سوى أسمائهم الشخصية بتنكرهم للقرآن، ومحاولاتهم الضالة التي تتميز بطابع الجهل في التشكيك بالقرآن بالأقوال والأفعال.

فليس بغريب على غير المسلمين أن يتنكروا للقرآن وهم أيضا أكثر جهلاً به، والأسباب تعود للحملات الباطلة التي يقوم بها أعداء الإسلام لتشويهه أمام أقوامهم بكل السبل والتي فيها من الافتراءات على القرآن والإسلام ونبي الله ورسوله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع أنبياء الله ورسله وكتبه وملائكته وعلى التاريخ الإسلامي، وذلك بما نشروه وينشرونه من كتب ورسائل وقصائد وترجمات مغلوطة وبرامج فضائية خادعة تزيف الحقائق بأباطيل كلها شتائم وسفاهات، أباطيل ليس بها ما يمكن أن يحتكم به إلى العقل والمنطق.

إن فصاحة القرآن في كل مواضيعه، عجيب في نظمه وبديع في تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه من ذكر القصص ومواعظ وحكم وأحكام ووعد ووعيد وأخلاق كريمة ومثل رفيعة وأمثال لا تعلو عليها وغير ذلك.. وعندما نتأمل في نظم القرآن نجد أن جميع ما يتصرف فيه من الوجوه لا تفاوت فيها ولا انحطاط عن المنزلة العليا من البلاغة .

إن أكثر الناس يجهلون أن الإسلام سار غير سيرة الأديان الأخرى المحرفة، فنهج القرآن الذي جاء بالبرهان على صحته وعلى أنه من عند الله، فالقرآن هو الكتاب المعجز للبشر بهدايته وتشريعه وأحرفه وألفاظه وأسلوبه ومعانيه الواضحة التي تتميز بخلودها وبقائها في كل الأزمنة، فقد أنزل بعد رقي العقل البشري في استيعاب الإنسان لذاته والكون من حوله وحقيقة الفناء والخلود والصراع بين الخير والشر، فكان البرهان متوافقا مع هذا الرقي للعقل البشري المقصود بهذه المخاطبة البرهانية الدامغة .

والقرآن تعرض لمواضيع كثيرة لم تكن معهودة عند العرب كالتحدث عن الله وعظمته ووصف قدرته والدعوة الى عبادته وتنزيهه عما لا يليق به ووصف ما أعده من النعيم للذين يطيعونه والعذاب لمن يعصونه، وكذلك يقص علينا أنباء الرسل مع قومهم وما تحتويه تلك القصص من العبر والحكم، ويحثنا على مكارم الاخلاق وتحريم القبائح ويبين أسس التشريع في المال والحكم والأسرة وغير ذلك.

. وأمثال هذه المواضيع وأمورها تستعصي على البليغ فلا يستطيع التعبير عنها ببلاغته المعهودة، فكيف بغيره ؟ وعالج القرآن الكريم كل هذه الأمور بالفصاحة، واستخدم فيها ضروب التأكيد وأنواع التشبيه والتمثيل وأصناف الاستعارة وغيرها من فنون البلاغة التي تبهر كل قارئ بليغ باللغة العربية في جميع الأزمنة