رجل طُرِد من عمله فأُصيب بصدمة نفسية، وآخـر فقد ولده فأُصيب بصدمة نفسية، وثالث خسِر في تجارته فأُصيب بصدمة نفسية، وامرأة تزوّج عليها زوجها فأُصيبت بصدمة نفسية، وثانية طُلّقت فأُصيبتْ بصدمة نفسية.. إلى غير ذلك مما نسمع به بين الحين والآخر من هذه العبارة «أُصيب بصدمة نفسية».

ومما لا شك فيه، أن هذه الصدمات النفسية لم تكن تُعرف عند أسلافنا، ولم تعرف إلى نفوسهم طريقاً، لمـاذا ؟ أعُدِمَ الإحساس عندهم ؟ أم أنهم لا يُحسّون ؟ أم أن نفوسهم تختلف ؟ أو تغيّر الزمان ؟ ما السِّـرّ إذاً ؟

السِّـرّ يكمن في الإيمان بالله والرضا بالقضاء، السِّـرّ يكمن في صدق الإيمان بالله، حيث قال الله تعالى في كتابه: «فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ». ومن هذه الآية، نؤكد على ضرورة التحري حتى يتبيّن الصادق في إيمانه من الكاذب، وحتى تظهر حقيقة الإيمان بالركن السادس من أركان الإيمان «الإيمان بالقدر خيره وشرّه.. حلوه ومُرِّه»، والتسليم لله سبحانه وتعالى في مواطن القضاء والقدر.

وحقيقة الصبر، واحتساب الأجر، وصدق الإيمان بالقضاء والقدر تظهر على محكّ «الصدمة الأولى»، فمن صبر عند الصدمة الأولى.. عند تلقّي الخبر.. عند وقوع الفاجعة، ومن صَبَر في هذه المواطن، وعوّد نفسه عليه، وتصبّر، لم تضرّه نازلة تنزل به.

«ومن يتصبَّر يصبره الله» كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، ومن آمن بالله وحقق الإيمان بالقضاء والقدر، وأيقن أن الكلّ من عند الله، وآمن أيضا أن الله لم يخلق ولم يُقدّر شرّاً محضا خالصاً، علِمَ أن ما يُصيبه ليس شرّاً على كل حال «لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ»، ثم نَظَر إلى المُقدَّر بعين البصيرة فتلمّح المنحة في طيّ المحنة ثم تذكّر أن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وليس لها قدر عند العقلاء، وأنها دار ابتلاء وامتحان، وأنه خُلِق في كَبَـد.. في همٍّ وغمٍّ ونكـد «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ»، والمسألة تحتاج إلى صبر ومُصابرة، وجهد ومُجاهَدة. يقول الله في كتابه: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ».

إخواني وأخواتي، التفاؤل سمـة الناجحين، والتفاؤل طريق الصامدين، وأن تتفاءل في أصعب المواقف وفي أحلك الظروف فأنت تنظر بنور الله، وأن تتفاءل عندما يكفهر وجـه الزمن أنت على يقين بربّ العالمين، وأن تتفاءل عندما يتكالب الأعداء فأنت واثق بنصر الله، وأن ترى الخير في طيّـات الشر، وأن ترى المحن مِنحـاً فأنت في قمـة التفاؤل!

هذا نبي الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تفاؤلاً، وكان يُحب الفأل ويكره الطّيرة، خرج إلى بدر في قلّـة قليلة، وكان يتفاءل بالنصر، حتى بشّر بهلاك رؤوس الكفر، بل حدد مواقع هلكتهم !

ثم تكالبت عليه الأعداء في المدينة فأخذ يحفر الخندق مع أصحابه، وهو يربط على بطنه حجرا من الجوع، ومع ذلك كان متفائلا بالنصر، بل ويُبشّر بنصر وتمكين لأمته، حتى غمز المنافقون ذلك الوعد.

ويُصدّ عن بيت الله عام الحُديبية، فيتفاءل عندما قدِم سُهيل بن عمرو، فقال: من هذا؟ قالوا: سهيل بن عمرو، قال: لقد سهل لكم من أمركم، تفاؤل بِكلمة.. وتفاؤل بِفِعل.. وتفاؤل بِسجن!

يُـزجّ بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في السجن فما يزيد على أنْ نظر إلى سور القلعة التي سُجن فيها، وقال «فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب»، فلله درّه من إمام يرى في السجن خلوة بِـربِّـه.

أيها الإخوة الأعزاء، تفاءلوا بالخير تجدوه، حتى مع تتابع الأزمات، واشتداد الأمور «فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً».