فئة من الناس تجيد حبك وترويج الإشاعة حول موضوع معين على المستوى الفردي أو المستوى العام مستخدمة الكذب كوسيلة للترويج، وفي ذلك ضرر بالغ، عندما يصادف كذبهم هوى في نفوس مستمعيهم، عندها يشعر الخراصون المروجون للفكرة بالزهو لأنهم وجدوا من يصدقهم، وكفى بالمرء إثماً أن يصدق كل ما سمع كما جاء في الحديث، فلو صدقنا كل ما نسمعه لكن آثمين، ولا بد من استخدام العقل الذي منحنا الله إياه عن باقي مخلوقاته في الوقوف على الحقيقة وعدم ترويج كذب الخراصين الذين قال فيهم القرآن الحكيم: «إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون».

والانشغال بالافتراءات والأكاذيب والشائعات التي يروجها البعض ينسج على القلوب خيوطاً سوداء من الريبة والشكوك.

قال لقمان الحكيم: إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم السلام، ثم اجلس، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهامك مع سهامهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتخل عنهم وانهض، وإذا جاءك إنسان وقال: لقد مات فلان ثم عاد إلى الحياة فلا تصدقه، وكفانا استخفافاً بعقولنا والضحك علينا، وعلينا كي نواجه هؤلاء أن نتفهم حقائق ديننا، فالموت علينا حق وإذا جاءت ساعة أي إنسان فإنه لا يستطيع أن يقدم أو يؤخر: قال تعالى: «لكل أجل كتاب»، وقال تعالى: «كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيام فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور». آل عمران 185. وقال تعالى: «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» فانتقالنا من الحياة الدنيا إلى حياة أخرى بالموت المحتم على خلق الله، عندها تتلاشى أجسادنا وتصير تراباً ثم نبعث بإذن الله للحساب يوم القيامة.

قال تعالى: «قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم». (يس 78، 79)

وإذا جاء من يقول لك إن نعش فلان قد طار أثناء جنازته فلا تصدقه، فالنعش لا يطير لكنها النفس الفرحة بلقاء ربها قد تجد فيها خفة في حملها فيسرع حاملوها الخطى وهم في طريقهم إلى المقبرة.

وجدير بالمسلم الحق أن يشغل نفسه بما يفيده ويفيد أمته فيقبل على العلم وينهل من العلوم المختلفة ويعمل عقله في اكتساب ما تستفيد منه البشرية على جميع الأصعدة سواء في مجال الأمراض أو في مجال الدواء أو المجالات الفنية التي يحقق من ورائها ما يصبو إليه المسلمون من تقدم كما كان آباؤنا الأوائل يعملون، والمسلم الواعي هو الذي يدرك قيمة الوقت الذي هو مادة الحياة، فلا يضيعه في الجري وراء ترهات الخراصين الذين يشغلون الناس بأمور قد تؤثر على عقيدتهم، وعليه أن يعلم أن الوقت المفقود لا يعود ولا يشترى بالنقود، فيقضيه في سياحة فكرية تساعد في التنمية والازدهار والرقي بدلاً من العيش في الضياع وإهمال ما فرضه الله علينا من فرائض ونوافل والإكثار من الغيبة والنميمة والخوض في أغراض الناس ورمي الآمنين المخلصين بالفسق والفجور، إما عن عدم التثبت وإما عن الكيد الذي يكيده الخراصون ضد الشرفاء الأتقياء.

قال تعالى: «إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين». (النور 23، 24، 25)

ويعجب الإنسان من كثرة الذين يستمعون لقالة السوء في حق فلانة أو فلان من الناس وقد لا تجد هذا الإنصات لو كان المتحدث يتحدث في جانب من جوانب الدين.

روي عن عمر بن العزيز رضي الله عنه أنه دخل عليه رجل، فذكر رجلاً، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، إن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية: «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة»، وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية: «هماز مشاء بنميم»، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إلى مثل ذلك فكم من أناس ظلموا من ترهات وكذب الخراصين والعاقل هو الذي يقلب كل ما يقال له على الوجه الذي حدده الإسلام، فإن كان يراد به خيراً قبله واستمع إليه وإن كان المقصود به الباطل وظلم الناس وجب الابتعاد عنه.