في الحديث الشريف: «السعيد سعيد في بطن أمّه، والشقي شقي في بطن أمّه»، والمفهوم من الحديث هو انتقال الصفات الوراثيّة من الآباء إلى الأبناء، فما هو الردّ على من يقولون:

 إن الأبناء، وفقاً لهذه النظرة، مُجبرون على ما يفعلون؟ جواباً على هذا السؤال، يشير الأمين العام للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان، الشيخ خلدون عريمط، إلى أن الإيحاء الفكري- الروحي الذي يوحي به هذا الحديث قد لا يكون متصلاً بقضية الوراثة وتأثيراتها السلبيّة والإيجابيّة على شخصية الإنسان، بل «ربما يكون الإيحاء الفكري منطلقاً من أن الله سبحانه وتعالى يعلم مستقبل الناس عند خلقهم في خطّ السعادة أو الشقاء، من خلال حركة المقدّمات في حياة الإنسان من قبل أن يتحرّك في الخطّ العملي للحياة».

وإذا كان من بين إيحاءات هذا الحديث مسألة الجبريّة.

يؤكد الشيخ عريمط أن العلم الإلهي في هذه المجالات لا يلغي الإرادة في مسألتَي السعادة والشقاء، «إذا فهمنا أن سعادة الإنسان وشقاءه ينطلقان من اختياره من جراء عنصر السببيّة في واقع الإنسان بين المقدّمات والنتائج، فإن الحديث لا يثير مشكلة تنافي الإرادة والاختيار في حياة الإنسان».

وعما إذا كان الحديث يشير إلى علاقة الوراثة بسعادة الإنسان أو بشقائه، فإن هذا الأمر لا يلغي، بحسب عريمط، حريّة الإنسان إزاء عناصر الوراثة لأنها «تمثل الأجواء التي تهيّئ الإنسان لحركة انفعالية إلى عملية معيّنة، ولكنها لا تشلّ قدرته على الحركة في الاتجاه الآخر والانفتاح على الأفق الآخر»، مشدّداً على أن «العناصر الوراثيّة تخلق للإنسان مناخاً نفسيّاً أو فكريّاً أو عملياً معيناً، وبذلك فإنها قد تحقّق شيئاً من أجواء الضغط على النفس أو الفكر الواقع العملي للإنسان».

وفي سياق تفسيره لحديث الشريف، يلفت الشيخ عريمط الى أن الله خلق للإنسان عقله، وأودع فيه إرادته، وهيّأ له الأجواء التي يمكن أن ينفتح من خلالها على آفاق ومواقع أخرى، تماماً كما هي المناخات الصحيّة، فـ «الإنسان قد يولد من خلال مناخ صحي سلبي.

ولكنه قد يستطيع الإنتصار عليه من خلال المضادات الحيويّة التي تحوّله الى المناخ الإيجابي»، ويختم كلامه بالتأكيد على أن المناخ الداخلي للإنسان، والذي ينطلق من رواسبه ومن عناصر الوراثة فيه، لا يختلف عن المناخ الخارجي الذي قد يعيش فيه الإنسان.. وفي كلتا الحالتين،

تبقى لدى الإنسان قوة التغيير نحو الداخل والخارج، مستوحياً رأيه من قوله تعالى: «إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» (سورة الرعد/ آية 11)، ما يعني أن «الإنسان قادر على أن يغيِّر ما بنفسه، سواء كان ذلك منطلقاً من عناصر وراثيّة ضاغطة عليه أو غرائز جسديّة مؤثرة فيه، أو من خلال أوضاع خارجيّة تحيط به».