المتأمل في حال الانسان في هذه الدنيا تجده بين حالين إما حزن أو فرح، يجب أن تحمد الله وتشكره إن تجددت لك نعمة، والحزن يصاحبه أمران الصبر والدعاء.
قال تعالى «اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون».
يقول الشاعر: إذا ما أتاك الدهر يوما بنكبة ** فأفرغ لها صبراً ووسع لها صدراً
فإن تصاريف الزمان عجيبة ** فيوماً ترى يسراً ويوما ترى عسراً
وهي عبادة عظيمة غفل عنها اللاهي والمستهتر والمتبرم وحظي بها المؤمن التقي الذي يثق بفرج الله له طال به الزمان أم قصر.
فالذي ينظر لأحوال الأنبياء والصحابة والسلف يرى أن بعد كل شدة فرج كبير وفتح جميل، فهذا يوسف عليه السلام انتقل من الجبل إلى القصر ومن السجن إلى عزيز مصر، وخروج عائشة رضي الله عنها من حادثة الإفك بعشر آيات تتلى في حقها إلى يوم القيامة ويتعبد بها العباد ربهم في الصلاة وقراءة القرآن.
وفتح الدنيا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد حصار المشركين لهم لمدة ثلاث سنوات حتى أكلوا من ورق الشجر من شدة الجوع.
فالمؤمن الذي يقرأ القرآن بتدبر ويقين ويعمل به؛ أنا أجزم له بالحياة الطيبة الخالية من الهم والحزن، وتعالوا لنتدبر هذه الآية قال تعالى:(عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) أي لن يصل لك الخير إلا عن طريق هذا المكروه.
يحكى أن امرأة في زمن داوود عليه السلام كان تحتها ثلاث بنات أيتام وكانت تغزل لهن من غزل يدها ثم تذهب للسوق لكي تبيع وتطعمهن، وفي يوم من الأيام وهي تلم خرقتها في قطعة قماش انقض عليها طائر أسود وأخذ منها الخرقة وذهب فبقيت جائعة هي وبناتها فذهبت لداوود عليه السلام فقالت له يا نبي الله ربك ظالم أم عادل؟
فقال ويحك يا امرأة كيف تقولين ذلك هو العدل الذي لا يجور، فقال ما شأنك؟ فقالت له القصة، فبينما الحوار بينهما إذ بعشرة من التجار يطرقون الباب ففتح لهم الباب، فقالوا: يا نبي الله هذه ألف دينار تصدق بها على الفقراء، فقال ما أمركم قالوا: كنا بالغارب وكان عيب بالقارب وأوشكنا على الهلاك فانقض علينا هذا الطائر الأسود ورمى علينا هذه الخرقة وسددنا به عيب القارب فنذر كل واحد منا أن يتصدق بمائة دينار.
فنظر داوود عليه السلام للمرأة وقال لها ويحك يا امرأة رب يتجر لك في البر والبحر وتجعلينه ظالما. وهذه القصة تنطبق على كل إنسان ساخط متذمر من حاله وأحواله فيقول: ليس لدي حظ في هذه الدنيا أعوذ بالله من هذه الكلمة التي انتشرت بين الناس بجهلهم كأنه علم غيبه والإنسان بطبيعته يجهل حقيقة أمره، و لو كشف له قدره لمات قبل يومه أو مات من شدة الفرح فهو لا يعلم أين الخير؟
قد يكون الخير كامنا في هذا الذي يظن أنه شر، اطمئن وكن راضيا بما قسمه الله لك في هذه الدنيا، والأخت التي تبكي على حالها لأنها وصلت إلى الثلاثين ولم يتقدم لها الخاطب بل احداهن يغويها الشيطان فتذهب لدى الساحر وكأن الساحر هو ربها.
أنا أقول لهؤلاء الأخوات هل يستطيع الساحر أن يمنع ذلك الزوج الذي قدره الله أو يعجل أمره؟ فالزواج قسمة ونصيب مقسوم قبل أن يخلق الله السموات والأرض بألفي عام وما يدل على ذلك هذا الحديث الذي رواه ابن مسعود رضي الله عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أم حبيبة تقول: (اللهم متعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية.
فقال لها رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم: (إنك سألت الله لآجال مضروبة وآثار موطوءة وأرزاق مقسومة لا يعجل منها شيئا قبل حله ولا يؤخر منها شيئا بعد حله ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر لكان خيرا لك)، فالله سبحانه قدر كل الأمور، حتى الملك الموكل بحفظك لا يستطيع أن يرد عنك قدر الله الذي قدره عليك.
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (له معقبات بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) أي ملائكة يحرسونك بالليل والنهار من الشرور والآفات ولكن إذا جاء القدر الذي قدره الله عليك تخلى عنك لأنه لا يستطيع أن يرد قضاء الله وقدره.
ويقول مجاهد: (إذا جاء القدر الذي لم يقدره الله لك قال لك الملك وراءك أي يلهمك بوجود ضرر واقع عليك حتى تبتعد عنه ، فاعلم أخي بهذا الأمر واطمأن ولا تحزن، يقول أبوبكر رضي الله عنه: (سلو الله العفو والعافية والمعافاة) يقول ابن منظور: أي يعافيك من السقم والبلايا، والعافية هي دفاع الله عنك والمعافاة هي أن يعافيك من الناس ويعافي الناس منك ويغنيك عن الناس ويغني الناس عنك ويدفع أذاهم عنك ويدفع أذاك عنهم، اقتنع بنصيبك وبقدرك تكن أسعد إنسان إذا حافظت على صلاتك ودينك.
