أمر الله سبحانه وتعالى بصلة أولي الأرحام، والبر والإحسان إليهم، ونهى وحذر من قطيعتهم والإساءة إليهم، كما توعد القاطعين لأرحامهم بعذاب أليم ، واعتبر صلى الله عليه وسلم قطيعة الأرحام مانعاً من دخول الجنة.
وتعريف صلة الرحم يعني الوصل، وهو ضد القطع، ويكون الوصل بالزيارة والاهداءات وبالاتصالات والسؤال المستمر، وتفقد أحوالهم وأن تحزن لحزنهم وتفرح لفرحهم، وبالمعاملة الحسنة، وطلاقة الوجه والبشاشة، وبالمال والزاد إن وجدا ونحو ذلك من سلوكيات.
والرحم اسم شامل لكافة الأقارب من غير تفريق بين المحارم وغيرهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى قصر الرحم على المحارم، بل ومنهم من قصرها على الوارثين منهم، وهذا هو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد رحمهما الله، والراجح الأول، والرحم التي أمر الله بها أن توصل نوعان، الأول: رحم الدين، وهي رحم عامة تشمل جميع المسلمين، وتتفاوت صلتهم حسب قربهم وبعدهم من الدين، وكذلك حسب قربهم وبعدهم الجغرافي، ويدل على ذلك قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) فأثبت الله الأخوة الإيمانية لجميع المسلمين، وقوله: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسـدوا في الأرض وتقطِّعوا أرحامكم).
والثاني: رحم القرابة، القريبة والبعيدة، من جهتي الأبوين، ولكل من هذين النوعين حقوق ونوع وحكم صلة الرحم وقطعها، ومن المؤكد ان صلة الرحم واجبة وقطيعتها محرمة، ومن الكبائر، كما قال القرطبي رحمه الله: (اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة). إذن صلة الرحم واجبة ولو كانت بسلام، أو تحية، وهدية، ومعاونة، ومجالسة، ومكالمة، وتلطف، وإحسان.
وإن كان غائباً يصلهم بالمكتوب إليهم، فإن قدر على السير كان أفضل، كما جاء في قوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) وقوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم).
لقد وعد الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، واصل الرحم بالفضل العظيم، والأجر الكبير، والثواب الجزيل، وتيسير الأمور، والبركة في المال والأهل، وطول العمر، وبنعيم دائم في الآخرة ، كذلك صلة الرحم سبب من أسباب دخول الجنة مع أول الداخلين.
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال، يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، (تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم). وفي الدنيا لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم، ولهذا يجب التواصي ببر الآباء وصلة الأرحام، والتحذير من العقوق، فإذا فعلوا ذلك سلموا من هذه العقوبة، ومن السنة أن (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضاً)، ,(مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وعلى المرء أن يسع جميع أرحامه بالحقوق العامة والخاصة، فإن تزاحمت أرحامُه فعليه أن يصل الأقرب فالأقرب، كما ورد في الحديث: (من أحقُّ الناس بحسن صحابتي).
وإذا أردنا تلخيص صلة الرحم بكلمات، فأولا الزيارة ثم عيادة المريض، والإهداء والإنفاق على المعسرين، والمشاركة في الأفراح والأتراح، فيجب على الآباء والأجداد تبصير الأبناء والأحفاد بحقوق القرابات، وبصلتهم بها، فإن كثيراً من شباب اليوم لا يعرف شيئاً عن كثير من أرحامهم، ويرجع ذلك إلى تقصير الكبار في هذا الشأن، فقد جاء في الأثر: (لا يزال الناس بخير ما تعلم الصغير قبل موت الكبير)، فإذا مات الكبار ذهبوا بما عندهم من علوم وتجارب ومعارف قد لا توجد عند غيرهم من الناس، لذلك نقول (صِلْ من قطعك، وأعطِ من حرمك، وأعرض عمن ظلمك).إذن أخي المسلم وأختي المسلمة ونحن نعيش في هذا الشهر المبارك شهر القرآن، شهر المواساة والغفران والعتق من النيران، علينا ان نزور الأهل والأقارب وبالأخص الوالدين.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم عليه بصلة أرحامه وأقاربه، ولقد زار قبر والده وأمر أمته بصلة أرحامهم وحثهم على ذلك واقتدوا صحابته من بعده والتابعين والصالحين من المؤمنين بصلة أرحامهم وأقاربهم ومواساتهم في الشدة والرخاء، وكان اهتمامهم مثل هذه المواسم الدينية مثل شهر رمضان المبارك.
