الدين جوهر ومظهر مخبر ومنظر ما اجملها عندما تجتمع، وما اقبح المرء عندما يهتم بمظاهر الامور ويترك جوهرها، يعتني بالقشور ويترك اللب الذي عليه المعول والاعتماد، وكثيرا ما نرى في مجتمعاتنا من اصطبغ بهذا الدين سلوكا ظاهرا وباطنا، وربما بمظهره الخارجي لا يدل على كثير التزام أو جليل صلة بالله تعالى.
فترى شخصا مسبلا ثوبه حالقا لحيته، لكنه حسنٌ خلقهُ طيب معشره يألف ويؤلف، وبالجهة الثانية نرى من ارتسمت على شكله سمات التدين ومظاهر الالتزام، لكن لو فتشت عن المضمون والجوهر لوجدته خاويا، يسيء الظن بالناس لا يراهم إلا مارقين خارجين عن شرع الله حق عليهم العذاب ميؤوس منهم، يا عجباً، اين الرحمة التي يجب أن تملأ قلب المؤمن بالناس، عصاتهم قبل تقاتهم، ومذنبيهم قبل أتقياهم. ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان كما جاء في شمائله؟ ولكن لماذا؟ لأنه يرى أناسا جنحوا عن منهج الله، فهو يحزن عليهم ويتمنى ان يسعدوا بالإيمان كما سعد اصحابه، وقد قال له ربه عز وجل: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) .
وقال له أيضا (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) ... رحمة من الله بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم ان يهلك نفسه أسفا على هؤلاء العصاة. ثم أين نحن من قوله عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. كيف نحب لأنفسنا الهداية والسعادة والنجاة ولا نحبها لأخوتنا، إن كنا مؤمنين حقا مظهرا وجوهرا فعلينا ان نحرص على هداية الناس وعلى أن يكونوا سعداء كما نحب لأنفسنا.
وأعجب ما قرأته في بيان هذه الحقيقة التي يلحظها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أتوا برجل والحديث في البخاري قد شرب الخمر وشرب، فلما شتمه أحد الصحابة لسوء فعلته جاء الزجر من الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم معللاً بقوله: أما إني علمت أنه يحب الله ورسوله. جوهر نظيف مليء بحب الله ورسوله ولو ان نفسه تجلى فيها ضعف الإنسان الذي جبله الله عليه فانحرفت بشرب الخمرة أو غيرها. ما أجمل أن تكون ذا لحية طويلة مهذبة، وأجمل منها أن تحمل قلبا مليئا بالحب لخلق الله، واللحية سنة لكن التواضع واجب، واللحية مستحبة لكن السمت الحسن والفقه في الدين من سمات المؤمن، واللحية زين الله بها الرجال لكن حسن الخلق وطيب المعاملة اكثر حسنا وأروع جمالا. المظهر الإسلامي الجميل هدي نبوي (كونوا كأنكم شامة بين الناس) لكن الفتنة أشد من القتل، (أفتان أنت يا معاذ) قالها - صلى الله عليه وسلم - لمن أطال الصلاة وهو إمام.
وقال عليه الصلاة والسلام: إن منكم منفرين. أي ينفرون عن الدين بسلوكهم الخاطئ الذي يظنه من الإسلام، بحديثهم المتشائم القائم على التكفير والرمي بالعصيان، ومنفرين بمظهرهم الأشعث الأغبر تصنعا وتظاهرا بالدين. قال ابن القيم رحمه الله تعالى : اعلم أن الجمال ينقسم قسمين ظاهرا وباطنا، فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة، وإن لم تكن ذات جمال فتكسو صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة.
فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه، وهذا أمر مشهود بالعيان، وأما الجمال الظاهر فقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قالوا يا رسول الله: الرجل يحب أن تكون نعله حسنة وثوبه حسنا أفذلك من الكبر، فقال: لا، إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس. وأخير كونوا أيها المسلمون دعاة رحمة تتألمون على المعصية وتفرحون بالهداية قلوبكم تمتلئ حبا لمن انضووا تحت قوله تعالى (رب العالمين) التي اتبعها بـ (الرحمن الرحيم). إن لم تستطيعوا أن تكونوا سببا في هداية الناس فلا تكونوا سببا في استمرارهم في المعصية (يسروا ولا تعسروا بشروا ولا تنفروا).
