ما أجمل أن يأتي الإنسان بعد رحلة العمل اليومية وقد شعر بالرضا عن نفسه وعن أدائه ومعاملته للناس بما يرضي الله عز وجل، وأجمل منه أن يعيش ما تبقى من يومه وليلته في مراعاة أهله وأولاده والاطمئنان عليهم، ثم يأوي إلى فراشه وليس في نفسه شيء من الحقد على أحد أو الحسد لأحد من الناس قد أسبغ الله عليه من نعمه،

فكل شيء مقدر، ولا يجتمع في جوف عبد مسلم عرف ربه وأدى ما عليه من فرائض وسنن وأشرب تعاليم الإسلام، لا يجتمع في قلبه إيمان وحسد، لأن الإنسان المؤمن هو الذي يتمتع بنفس راضية مطمئنة لوعد الله لعباده المخلصين الصادقين في نيتهم وفي أعمالهم ولا يجتمع الإخلاص لله تعالى وحسن عبادته والاعتماد عليه سبحانه وتعالى وانه الرازق وتمنى زوال النعمة من أخيه المسلم، لأن نور الإيمان يسطع بأشعته في القلب فيثمر بمحبة أخيه المسلم فيود له كل سعادة وهناء.

والإنسان الموفق هو الذي يجمع بين حسن العبادة وصفاء النفس وحسن المعاملة، فتطابق سريرته علانيته، ويصدق فعله قوله، الأمر الذي يجعله هادئ النفس سعيداً بحياته.

روى ابن ماجه والبيهقي وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن والصيام جنة من النار». وروى الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بدلاء أمتي (أي الأولياء والعباد، سمو بذلك لأنهم كلما مات واحد منهم أبدل بآخر) إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكن دخلوها برحمة الله وسخاوة الأنفس وسلامة الصدور». رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء مرسلاً.

ورُوي عن الأحنف بن قيس رضي الله عنه، أنه قال: لا راحة لحسود، ولا وفاء لبخيل، ولا صديق لملول، ولا مروءة لكذوب، ولا رأي لخائن، ولا سؤدد لسيئ الخلق.

وقال محمد بن سيرين: ما حسدت أحداً على شيء من الدنيا، فإن كان من أهل الجنة فكيف أحسده وهو صائر إلى الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده وهو صائر إلى النار.

وقال ابن المعتز: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله فالحسد داء لا دواء له وهو من أمراض القلب العظيمة وهو يضر دنياً وديناً، ولا يضر المحسود دنيا ولا ديناً، إذ لا تزول نعمة بحسد قط، وإلا لم تبق نعمة لله على أحد حتى الإيمان لأن الكفار يحبون زواله من أهله.

قال بعضهم: الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولاً ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة وهوناً ونكالاً. فلو صفت النفوس ورضيت بما قدر الله وطمعت في رحمة الله وطلبت منه لأعطاهم الله، وليعلم كل إنسان أن الله قسم الناس وقسم أرزاقهم وجعلهم في خدمة بعضهم البعض، فلو تراحم الناس وساد الحب بينهم لعاشوا في خير وسعادة طالما انتفت العداوات والإحن والبغضاء بينهم.

قال تعالى: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون. لقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً بأنه من أهل الجنة، لأنه كما جاءت الرواية كان يبيت وليس في قلبه غلّ على أحد، كان صافي القلب محباً للناس.

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قل فرحه وقل حسده.

وقيل: الحسود ظالم يتراءى للناس في ثوب المظلوم. وقيل: يأكل الحسد الحاسد كما يأكل الصدأ الحديد. وقيل: كن سعيداً كلما كثر حسادك، فهم الشهادة لك على نجاحك.

وقال الإمام علي رضي الله عنه وكرّم وجهه: عذِّب حسادك بالإحسان إليهم.

والملاحظ في دنيا الناس أن بعض الذين دأبوا على الحسد هم من الذين ينعمون بالمال وفي بحبوحة من العيش، وهنا قد يسأل سائل: لماذا الحسد إذاً؟ الإجابة تأتي من على شفاه من أسمعه يقول: «إنها فراغة عين».