هناك العديد من الآيات القرآنية التي تدعو المسلمين إلى التأمل والتدبر والتعقل، والتي يأمرنا الله سبحانه وتعالى من خلالها بالنظر والتمعن والتدقيق وإعمال العقل في كل شيء في حياتنا، وفي شهر رمضان المبارك يزداد الإنسان تدبرًا وتأملاً في آيات القرآن الكريم. ومن خلال تأملات الداعية الإسلامية دكتورة عبلة الكحلاوي، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر في القاهرة أشارت إلى قول الله تعالى في كتابه الكريم: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا» (سورة الفرقان).

ورغم ما تحمله هذه الآيات من معان كثيرة مهمة، إلا أنني أكتفي بالتوقف هنا عند قول الله تعالى «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاما»، وهي آية قرآنية توضّح صفات ومعالم عباد الرحمن الذين يلتزمون بالمنهج الرباني وتبيّن الآية خلاصة الصفات التي يجب أن تتواجد في عباد الرحمن، فعباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض هونًا ـ وليس المقصود بكلمة الهون هنا الضعف أو السير ببطء ولكن المقصود هو أن يمشوا بسكينة ووقار وتواضع بلا تكبر ولا تجبر ولا يستعلون على أحد من عباد الله، فلا يتكلمون إلى الناس وهم معرضون عنهم، بل يتحدثون إلى الناس في تواضع ويقبلون عليهم بابتسامة صادقة، وهذه الأخلاقيات والسلوكيات إنما يعطيها الله عز وجل لمن يحبه ويريد أن يكرمه ويقرّبه.

كما توضح هذه الآية أن لعباد الرحمن طريقة مختلفة في السير تعكس السكينة والوقار عكس المستكبرين، فالقرآن نهى عن مشي المرح والفخر والتكبر. فالله سبحانه وتعالى يحب المخلصين ويحب المتطهرين ولا يحب كل مختال فخور.

أيضاً من صفات عباد الرحمن «وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا» أي وإِذا خاطبهم السفهاء بغلظةٍ وجفاءً قالوا قولاً يسْلمون من الإِثم قال الحسن: لا يجهلون على أحد، وإِن جُهل عليهم حَلُموا، فعباد الرحمن لا يقابلون قول الجاهلون السيّئ بمثل هذا السوء، بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرًا ويزدادون تواضعًا وتقربًا إلى الله عز وجل ولا ينقطع ودّهم عن الخالق وكلمة الودّ أجمل ذكر وأجمل تسبيح، فعندما نبدأ بودّ الودود الله سبحانه وتعالى ينتقل هذا الودّ إلى الآخرين والإنسان يتودّد ويتقرب إلى الله عن طريق التقوى والإرادة والإخلاص والعمل الصالح، فيقول الله سبحانه وتعالى في سورة مريم الآية رقم 96 «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا» أي يزداد حب الناس لهؤلاء العباد المؤمنين الذين يعملون صالح الأعمال ويفيض الله عليهم بقبس من نوره يثلج صدورهم ويزيدهم أمنًا وسلامًا.