يلعب التخطيط الاستراتيجي دوراً كبيراً في تحسين أداء المؤسسات، وتطوير الآليات التي تنفذها، بما يكفل لها الاستغلال الأمثل لإمكانياتها، والوصول إلى تحقيق مفاهيم الجودة.
وخلال العقد الأخير، شهد العالم اهتماماً متزايداً بمفهوم التخطيط الاستراتيجي، وأصبح واحداً من أهم أسس ومرتكزات علم الإدارة الحديثة، ليس فقط لأنه يحدد ما ينبغي الوصول إليه، وإنما لأنه يساعد على الكشف عن أوجه القصور، ومن ثم يعمل على استئصالها وتلافيها، ويحقق ما يمكن وصفه بالموائمة بين الآمال المنشودة والإمكانيات المتاحة.
ولكي تحقق الخطط التطويرية أهدافها، لابد من أن تتسم بمجموعة من المميزات، يأتي على رأسها أن تكون منطقية، وقابلة للتنفيذ على أرض الواقع، فالخطط الاستراتيجية التي لا تنطلق على حسابات دقيقة، تضع على رأس أولوياتها، ما يمكن تحقيقه في ضوء ما هو متاح بالفعل، لابد أن تنتهي إلى فشل ذريع.
وقد عرفت الإمارات التخطيط الاستراتيجي بمفهومه الحديث، وبشكل تكاملي شامل، حينما أطلقت حكومة دبي في فبراير 2007 خطتها الاستراتيجية الاقتصادية حتى عام 2015، ثم انطلقت الخطط المحلية الخاصة بكل إمارة على حدة، وصولاً إلى الخطة الاتحادية.
وحول أهمية التخطيط الاستراتيجي ودوره في مجال التطوير والتحديث، وكيفية تصميم ووضع الخطط الاستراتيجية، والأسس التي تنبني عليها الخطط القابلة للنجاح، استضاف مجلس الدكتور عارف الشيخ، أعضاء جمعية الإمارات للتخطيط الاستراتيجي، في أمسية رمضانية ومجلس يمكننا وصفه باطمئنان بالأكثر من مثمر.
في البداية لم يشأ الدكتور عارف الشيخ إلا أن يلقي كلمة مقتضبة رحب خلالها بضيوفه، مؤكداً أهمية الخطط الاستراتيجية في تطوير الأداء وتحقيق معدلات الجودة.
وقال: لا أريد أن أخوض في الموضوع عميقاً، فالحاضرون أقدر على أن يدلوا بدلوهم فيه، غير أني أعتقد أن التخطيط الاستراتيجي في الإمارات وما يهدف اليه من تحقيق الجودة لن يتحقق بغير استشراف للمستقبل، علماً بأن مفهوم التخطيط ليس وليد السنوات القليلة الماضية، فالدولة تأسست في بداياتها على خطط استراتيجية استهدفت القضاء على الأمية وتعزيز رفاهية المواطن وتحسين الخدمات الصحية، وما إلى ذلك من أهداف سامية يمكن اختزالها في كلمة النهضة.
وأضاف: في ذاك الوقت لم يكن مفهوم التخطيط الاستراتيجي شائعا ومتداولاً، ولم يكن مستساغاً، ولكن عدم رؤية الهواء لا تنفي وجوده، على حسب تعبيره، معرباً عن أطيب تمنياته لأن يكون المجلس مثمراً ويشهد نقاشات فعالة بناءة.
وبدأت النقاشات بمداخلة اللواء عبد القدوس عبد الرزاق العبيدلي، رئيس جمعية الإمارات للملكية الفكرية، والذي تحدث عن ضرورة التكامل بين الخطط الاستراتيجية المحلية والاتحادية، في تنفيذ رؤية الإمارات حتى عام 2021
وقال: إنه مما لا شك فيه أننا نطمح جميعاً لأن نرى وطننا متصدراً العالم بأسره في كل المجالات، ولكي نحقق هذا الطموح المشروع، لابد من أن نتبنى مفاهيم التخطيط الاستراتيجي العلمية، وعلينا كلُ في موقعه أن يتبنى آليات التخطيط الصحيحة، ويحرص على الممارسات التي تكفل النجاح للخطط الاستراتيجية، وعلى رأسها: العمل بروح الفريق، والحرص على التميز والإبداع والابتكار، والشفافية.
وتتمثل أهم الأهداف الاستراتيجية في نشر الوعي والفكر الاستراتيجي في المجتمع، وتعزيز الشراكة المجتمعية بين كافة أطيافه ومؤسساته الحكومية والخاصة والمدنية والمؤسسات العالمية، بالإضافة إلى تقديم الاستشارات والتدريب والتعليم المتميز في مجالات التخطيط بكافة أنواعه بالتعاون مع أرقى المؤسسات العالمية، وكذلك توفير أدوات استراتيجية فعالة للتعامل مع كافة التحديات والمتغيرات والمخاطر.
دبي حققت الريادة
وأكد إمارة دبي قد حققت السبق حينما طرحت في فبراير عام 2007 خطتها الاستراتيجية حتى 2015، وهي الخطة التي تستهدف ترسيخ المكانة الاقتصادية للإمارة، ورفع إجمالي الناتج المحلي ليصل إلى 108 مليارات، ليصل متوسط دخل الفرد إلى 44 ألف دولار أميركي مع نهاية الخطة، موضحاً أن نجاح مثل هذه الخطط، يتطلب أن تكون متعددة المحاور ومتكاملة، وهو ما تنبهت إليه دبي، حيث تستند خطتها على محاور: الأمن والعدل والصحة والسلامة والبنية التحتية والبيئة الاقتصادية والتجارية والتنمية المستدامة والاجتماعية.
وقال: إن نقل التجربة وتوسيع نطاقها على المستوى الاتحادي، قد تم حينما قام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، باطلاق الخطة الاستراتيجية للدولة، في العام ذاته، عبر مجلس الوزارء، موضحاً أن الخطة كانت ذات 21 محوراً، وفي فبراير 2010 تبنت الحكومة الاتحادية رؤية جديدة للعام 2021 تنطلق من أن المواطن أولا، وتبنت سبعة مبادئ وسبعة ممكنات وسبع أولويات استراتيجية لتحقق التوازن في كافة الإمارات.
كما تبنت حكومة أبوظبي في نوفمبر 2008 رؤية اقتصادية للعام 2030 ترتكز على دور القطاع الخاص في رفع معدلات النمو على الصعيد الاقتصادي، وفق بيئة تشريعية مناسبة تنطلق من تقرير العلاقات مع كافة دول العالم، وفق ركيزة أساسية هي الاستقرار الأمني والنظام التعليمي والصحي الفعال وبنية تحتية مناسبة.
ومضى اللواء عبد القدوس يتحدث عن تاريخ دخول مفاهيم التخطيط الاستراتيجي قائلاً: كما بادرت حكومة أم القيوين في يناير 2011 بالتعاون مع الحكومة الاتحادية، إلى إطلاق استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة، والقادرة على ترسيخ تكاملها على المستوى الاتحادي.
وتركز الخطة التي تحدد لها عامين لتنفيذها على اربعة محاور، وهي: القطاع الاقتصادي والتراث والبنية التحتية والتطوير الحكومي.
وقال: إن الخطط الاستراتيجية في الدولة، سواء على المستوى الاتحادي أو المحلي قد راعت أن يكون الاهتمام منصباً في المقام الأول على التعليم، وذلك انطلاقاً من أن الجهل يعد الخطر رقم واحد الذي يهدد أي مجتمع، كما ركزت على محاربة الفقر والمرض، كونها مع الجهل يشكلان الثالوث الأكثر فتكاً بالأمم والحضارات.
وأضاف: إن وجود الخطط الاستراتيجية وتمسك الدولة بتطبيقها، قد ساهم إلى حد كبير في تجنب الكثير من التبعات التي نجمت عن الأزمة الاقتصادية العالمية، والمؤكد أن التكامل بين المحلي والاتحادي، قد حقق نتائج متميزة في تعزيز مساعي الإمارات نحو ارتقاء الصدارة في كل المجالات، وهو الامر الذي تؤكده التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية.
التطبيق أولاً
وأشاد الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان الالكترونية، بما أسداه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من حسن صنيع لا لوطنه فحسب، وإنما لأمته العربية، حينما بادر إلى إدخال مفاهيم التخطيط الاستراتيجي، وتبنيها في الممارسات الواقعية التطبيقية، بعدما كانت مجرد نظريات في الكتب.
وأضاف: ساهم سموه في تأصيل حركة التخطيط الاستراتيجي في دبي منذ البداية، عبر طرح برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، وفي بداية طرح هذه الخطة عام 1997، لم تحظ بتقبل من المؤسسات، وكانت موضوعا غريبا ومبهماً، وهذا أمر طبيعي، فالمجتمعات لا تتقبل الأفكار الحديثة بسرعة، ولابد من أن تكون هناك فترة زمنية حتى تترسخ الأفكار في الأذهان.
واقترح الدكتور العور أن يتم إدخال نظريات وأسس التخطيط الاستراتيجي في المناهج الدراسية خلال المرحلة الثانوية، على أن تكون الدراسة مبسطة وسلسة، موضحاً أن ما يتم تنفيذه من مبادئ ونظريات التخطيط الاستراتيجي لا يزيد عن 20% مما تم إنجازه في هذا العلم على المستوى النظري، الأمر الذي يحقق من تدريسه الكثير من الفوائد والإيجابيات، ويخطو بالأداء في مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة، نحو آفاق واعدة متميزة.
وقال: إن بعض مؤسسات الدولة لا تعي التخطيط الاستراتيجي على النحو الصحيح، ونصيبها منه لا يزيد عن نصيب منقار الطائر من ماء النهر حسب وصفه، مشيراً إلى أن أبرز الأخطاء تتمثل في التقعير والتصعيب على الموظفين، وبالتالي لا يستطيعون فهم ماهية التخطيط، وكيفية تحقيقه.
وأضاف: تقوم بعض المؤسسات بالاستعانة ببيوت الخبرة العالمية والأكاديميين، الذين يقومون بصياغة مفاهيم التخطيط الاستراتيجي، صياغة اكاديمية معقدة، تستعصى على فهم غير المتخصصين، ومن ثم ينفر موظفوها من هذا الأمر المبهم، وقد يناصبون فكرة التخطيط الاستراتيجي برمتها العداء والبغضاء، لأن الإنسان بطبيعته عدو ما يجهل، وعندئذ يكون التخطيط الاستراتيجي ذا أثر سلبي.
وتطرق العور عن دور التخطيط الاستراتيجي في التعليم وذكر أحد المواقف التي حدثت معه في بريطانيا التي عاش فيها مدة زمنية بصحبة أولاده، قائلاً : ذهبت لتسجيل أبنائي في المدارس الحكومية وقبل قبولهم أخبرتني إدارة المدرسة بأن هناك نتيجة علمية وفكرية وسلوكية يجب أن تتحقق بعد أن ينتهي الطالب من المرحلة، وإذا لم تتمكن المدرسة من تحقيق هذه النتيجة، يحق لولي الأمر أن يرفع دعوى قضائية ضد المدرسة، وهذا مؤشر مهم على بالغ أهمية التخطيط الاستراتيجي في المجتمعات المتقدمة.
نموذج ناجح
والتقط الدكتور بدر الجابري (... مسماه الوظيفي) طرف الحديث حيث قال: إن المبادرات التي تم إطلاقها في دولة الإمارات، سواء على المستوى الاتحادي أو الرسمي، قد حققت للدولة السبق في هذا المضمار على المستوى العربي، مما حدا بالكثير من الدول العربية الشقيقة، لأن تتخذ الإمارات نموذجا للاستفادة منه.
وأضاف: مع طرح الخطط الاستراتيجية حدث التباس في أذهان الكثيرين، ولم يستوعب معظم المسؤولين ماهية رسالة التخطيط، مما دفع الدولة إلى عمل الورش والندوات والمحاضرات، بهدف زيادة التوعية بأهمية التخطيط الاستراتيجي، ومع الوعي الراسخ تحقق الاقتناع والتبني التام للموضوع.
وأشار إلى أن نجاح الخطط الاستراتيجية يرتهن أولاً وأخيراً بوعي واستساغة الأفراد له، ومن السلبيات التي يجب التصدي لها، أنه خلال عمل الدورات، نكتشف بأن عدداً كبيراً من الموظفين غير مستوعبين لمفاهيم التخطيط، كونهم لم يشتركوا في وضع الاستراتيجيات، ولم يتلقوا التدريب اللازم الذي يعرفهم كيفية النهوض بها.
كما تعاني مؤسسات من عدم توافر قاعدة بيانات يمكن الرجوع لها للاستفادة من الخبرات المتراكمة فيها، مما يعد مصدر ضعف لابد من القضاء عليه.
وقال: عند وضع الاستراتيجيات يحب اختيار القيادات الصحيحة، ويجب أن يكون التخطيط الإستراتيجي مدروسا حتى تتمكن هذه القيادات من تنفيذ سير الخطط بشكل صحيح.
وأضاف: إن التخطيط الاستراتيجي يجب أن يكون منهاجاً راسخاً حتى يؤتي ثماره، ومن أهم مكتسبات التخطيط، إعداد قيادات من الصف الثاني، تتسلم الراية وتواصل المسيرة، مشيراً إلى أن هذا الفكر مازال غائباً عن الكثير من المسؤولين، الذين يبخلون بخبراتهم على نوابهم، خوفاً من أن يطيروا من على كراسيهم.
وقال: منذ فترة قصيرة، أعلنت مؤسسة عن رغبتها في توظيف اثني عشر مدير إدارة، فأين موظفو الصف الثاني؟
وكيف كان يتم تسيير العمل حينما كان المدير يتعرض لوعكة أو يغيب في أجازته السنوية؟
وما هو هذا النظام الفاشل الذي لم ينجح في تأهيل وإعداد صف ثانٍ من القادة؟
وأبدى الدكتور احمد النصيرات، الأمين العام لبرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، إعجابه بتأسيس جمعية تعنى فقط بالتخطيط الاستراتيجي قائلاً: إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، وليس غريباً أن يكون القائمون على تأسيس هذه الجمعية سواء كانوا من العاملين في المجال الأمني وغيرهم، لأن معظم الأنظمة الإدارية بدأت في مؤسسات الدولة العسكرية، التي كان لها الأسبقية في تنفيذ خطط استراتيجية مبدعة.
وأضاف: إنه بوجود هذه النخبة من المثقفين يمكننا إطلاق جامعة وليس مجلسا على هذه الجلسة، وأرجو أن نخرج من تجاربنا بما يستفاد منه لتطبيق النتائج التي سنخرج بها وتحقيقها على أرض الواقع، أما الحديث عن التخطيط الاستراتيجي فهو حديث ذو شجون لأن به الكثير من الجوانب الإيجابية.
وقال: إن إمارة دبي حققت سبقاً ليس على المستوى العربي فقط، وإنما عالمياً حينما تبنت فكر التخطيط الذي بدأ بإطلاق برنامج للتميز الحكومي، موضحا أن إطلاق البرنامج أحدث نقلة نوعية حقيقية في أداء وخدمات وطريقة التفكير وفي ممارسات القطاع الحكومي في دبي.
وأضاف: في عام 1999، اجتمع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بمديري ومسؤولي الدوائر الحكومية في حكومة دبي، ليتحدث عن موضوع التخطيط الاستراتيجي، وكان مقرراً أن يستغرق الاجتماع نصف ساعة، غير أن سموه ومن منطلق حماسته للفكرة، ظل يشرحها لمدة تجاوزت ساعة وعشر دقائق، وخلال الاجتماع طلب سموه من مديري الدوائر الحكومية أن تكون لديهم خطة استراتيجية تتضمن رؤية محددة ورسالة واضحة وقيم وأهداف.
واستطرد قائلاً: إنه على الرغم من أهمية التخطيط الاستراتيجي، فإن هناك عقبات تتصل به وتجعل من تطبيقه مسألة غير سهلة، ولعل حجر الزاوية الذي يجب أن تنبني عليه أية خطة استراتيجية يكمن في الإيمان بها، والحرص على تبنيها والنهوض بمستلزماتها، لأن العنصر البشري هو الغاية والهدف.
واستشهد بمقولة صاحب السمو نائب رئيس الدولة: لا خير في خطط لا تُطبق، مؤكداً أن على الدوائر الحكومية بذل المزيد من الجهد والعمل لتطبيق ما ورد في خططها الاستراتيجية، وليس هناك خطة تنموية تحقق النجاح بنسبة مئة بالمائة، ولكن علينا أن ندرك بأن الحفاظ على ما حققناه، والمضي قدماً على درب التميز، يتطلب أن نحاول بأقصى ما نملك من طاقة، حتى نحقق النجاح المنشود.
ملاحظات بسيطة
وأكد أهمية مراجعة الهياكل التنظيمية الخاصة بالإدارات المعنية بالتخطيط الاستراتيجي في كل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن عمليات التخطيط قد أصبحت مكتملة نسبياً، ومن ثم لابد من إعطاء المزيد من الجهد لقضية مؤشرات التطبيق وقضية الجهد العملي من تحقيق أهداف الخطة.
وقال: بعض المستشارين يتعمدون تصعيب الأمور وتعقيدها، وهذا يتنافى مع الفكر الاستراتيجي الذي يقضي بوضوح الرؤية في الأذهان، حتى تتمكن من التطبيق.
كما يجب على القطاع الخاص أن يبنى خططه الاستراتيجية من أجل تحقيق خطط الحكومة، لأنها لا تستطيع تحقيق ذلك بمفردها، وعلينا الاقتناع بأن هناك هاجسا لدى الدولة للوصول إلى التنافسية العالمية ولأن ترتقي إلى أعلى المراتب في كل المجالات.
ومن جانبه أكد المستشار الدكتور محمد محمود الكمالي، المدير العام في معهد التدريب والدراسات القضائية، أن التخطيط الاستراتيجي لن يحقق المأمول منه إلا إذا أصبح ثقافة في مجتمعنا، مما يدفع لأن أضم صوتي إلى المطالب بتدريس مبادئ التخطيط الاستراتيجي في مدارسنا.
وقال:، إن القيادة ألزمت المؤسسات الحكومية بأن تنتهج منهاج التفكير والتخطيط الاستراتيجي، وعليه يجب أن نردم الفجوة بين الفكرة النظرية والعملية، عبر إعداد جيل مؤمن بالتخطيط، ومستعد لمواصلة المسيرة، لأن أبرز ما تتميز به الخطط الاستراتيجية، هو أنها تراكمية، وما يتحقق اليوم يعد قاعدة انطلاق للغد.
وتحدث عبدالله الشرهان العضو الأسبق في المجلس الوطني الاتحادي قائلاً: إذا عددنا الجمعيات ذات النفع العام سنجدها تتجاوز المائتين، وإذا أردنا أن نتطرق إلى عملية الاستراتيجية أو التخطيط سنجد بأنها ليست جديدة، وإذا ما تم الرجوع إلى تاريخ دولة الإمارات في أواخر السبعينيات سنرى الخطط الخمسية، التي حققت نجاحاً فاق التوقعات. كما يساهم المجلس الوطني بدور فعال في عمليات التخطيط، وقد ناقش وأدلى بدلوه في الكثير من المشروعات، مثل: مشروع الإسكان القومي ومشروع استراتيجية التركيبة السكانية وغيرها.
وأضاف: ولكن على الرغم من وجود الخطط والبرامج، إلا أني أعتقد بأن ثمة عائقاً يحول دون نجاح خططنا الاستراتيجية، ألا وهو عدم وجود التكامل الكلي ما بين ما هو محلي وما هو اتحادي، وهو الأمر الذي يجب أن يدفع إلى إعادة تقييم كل ما نطبقه من خطط وبرامج.
ومضى قائلاً: بمراجعة الميزانية الاتحادية المتواضعة، وإذا تعمقنا في توزيعها، سيتضح لنا أن نحو 90% منها تذهب للرواتب الشهرية، وتفصيلاً 56% منها تذهب للقوات المسلحة، وبالتالي أين الميزانية التي سنخصصها للخطة الاستراتيجية أو التنمية؟ورأى الشرهان أن ما تشهده الدولة حالياً، يمكن أن يوصف بأنه نمو وليس تنمية حسب تعبيره وهذا ما يحصل ليس فقط دولة في الإمارات.
وإنما في جميع دول الخليج لأن التنمية لها قواعدها وخططها واستراتيجيتها وبرامجها.وانتقل إلى الحديث عن دور المجلس الوطني قائلاً: من خلال تجربتي الشخصية أستطيع الجزم بأن المجلس إذا كان كالمجالس السابقة فلا فائدة ترتجى.
ولن يتمكن الأعضاء من تأدية دور تمثيل الشعب، طالما بقي دور المجلس مقتصراً على تقديم المشورة، وليس تشريعياً، موضحاً أنه تعاقب على المجلس إلى الآن 228 عضواً، كان من بينهم شخصيات ناجحة ونخبة قيادية استطاعت إمساك زمام الأمور ولكن قلة صلاحيات المجلس، جعلتهم يشعرون بالفشل.
الجامعات الإلكترونية حققت نجاحاً ملموساً
تعد الجامعات الإلكترونية جامعات جديدة ذات منهجية مختلفة ومتطورة وتتماشى مع روح العصر، ويطلق عليها البعض تسمية: جامعات المستقبل، والمملكة العربية السعودية بادرت بعمل الجامعة الإلكترونية منذ مايقارب تسعة أعوام.
كما أنشأت دبي جامعة حمدان الإلكترونية، والذي يميز الجامعات الإلكترونية أنها تستخدم منهجا غير تقليدي، تعود آثاره على تطور الفرد في المجتمع وفي بيئة عمله. وذكر د. ناصر العور مثلاً على مخرجات الجامعات الإلكترونية، حيث يقول لدينا الآن ثمانية وخمسون خريجاً من حملة الماجستير في التميز المؤسسي وقد حصل 68% من الطلاب على الترقيات قبل حصولهم على الماجستير ويرجع السبب في ذلك تطور قدراتهم المهنية من خلال التطبيق العملي الذي مارسوه في الكليات.
وشبه العور موقف الناس من الجامعات الإلكترونية بموقفهم عند اختراع الطائرة عام1903 حيث ظل الناس يتنقلون عبر البحر عن طريق السفن وذلك بسبب الخوف من الطائرة، وأول طيران بين الولايات المتحدة وأوروبا عبر الأطلسي كان عام 1928.
وقال: أول ركاب كانوا على متن الطائرة سموا أنفسهم بالمغامرين، وظلت الناس خائفة من ركوب الطائرة إلى عام 1958بعد الحرب العالمية الثانية حيث أثبت الطيران قدرته في التحليق في الجو أي بعد خمس وخمسين عاماً، وهذا هو الحال بالنسبة للجامعات الإلكترونية التي تحتاج إلى الوقت حتى يثق الناس في قدراتها ومن المؤكد أنها سوف تصبح وسيلة التعليم الأولى في الأعوام القادمة.
تجربة وزارة الداخلية
نفذت وزارة الداخلية تجارب إدارية ناجحة، تمثلت أهمها في التخطيط الإستراتيجي وفي برنامج التميز. وتطرق العقيد محمد بن دلموك الظاهري-مدير عام الاستراتيجية وتطوير الأداء في وزارة الداخلية-نائب رئيس جمعية الإمارات للتخطيط الاستراتيجي- للحديث عن تجربة وزارة الداخلية قائلاً: في أحد الأيام وبينما كنا في ورشة عمل مع كل العاملين في وزارة الداخلية نضع الخطة الاستراتيجية، وبينما كنا نأخذ قسطاً من الراحة طرح الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، سؤالاً عن مدى وجود التفاعل والانسجام في وزارة الداخلية، والقبول بالأفكار الجديدة من قبل ضباط وزارة الداخلية.
وأكد سموه عندئذٍ أن تنفيذ الخطط الاستراتيجية لن يتحقق بغير القبول بالأفكار المبدعة، وخلال العام الماضي شاركت الوزارة لأول مرة في جائزة الشيخ خليفة بن زايد للتميز، ، فحصدت 13 جائزة.
وأضاف: استطعنا تحقيق ذلك من خلال تضافر جهود الكفاءات المواطنة والارتقاء بها ومن خلال دمج القيادات المتميزة في شرطة أبوظبي وشرطة دبي، وجمعهم في بوتقة واحدة استطعنا من خلال هذه التجربة بأن نحقق ما كنا نصبو إليه.
أين المساءلة للمسؤول الذي قدم خططاً واضحة ولم يستطع تطبيقها على النحو المطلوب؟
وما هي الأعذار الملتمسة التي يقدمها البعض لتحجب عنه ثقل المساءلة؟
هذان السؤالان طرحهما الدكتور أحمد الهاشمي-رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة المنشطات- في المجلس.
ورداً عليه، أجاب اللواء عبدالقدوس عبدالرزاق العبيدلي قائلاً: من ضمن البرامج المطروحة في التخطيط الاستراتيجي الحوكمة، وهي عبارة عن مساءلة على أية خطة استراتيجية أو موضوع تميز، ولهذا السبب عندما نطبق التخطيط الاستراتيجي بشكل سليم ننتقد هذا الشخص أو ذاك ونختبر فيما إذا كان مناسباً أم لا، ولهذا السبب يجب أن يكون مفهوم التخطيط الاستراتيجي متكاملا ومن ضمنه عملية المساءلة لأنه إذا فقدت المساءلة لن تجد الخطط طريقها الصحيح والمرجو وستشوبها بعض السلبيات.
وأكد أنه إذا لم نحاسب المسؤول على أخطائه ونسأله عن أسبابها نكون قد وضعنا العثرات في طريق التخطيط الاستراتيجي، وما من شك في أنه يجب أن تكون عملية التخطيط الاستراتيجي متكاملة وشفافة.
تسليط الضوء على التعليم
لا شك في أن التربية والتعليم هي ذلك القطاع الذي تبنى عليه الآمال والأسس لإنشاء جيل واع له القدرة على تسيير القاطرة إلى الاتجاه الصحيح. وتطرق (((((!!!!!!! مسماه ))))الغافري رجل أعمال إلى أهمية التعليم قائلاً: لقد كبرت الآمال لدينا بأن جمعية التخطيط الاستراتيجي ستصحح الكثير من المسارات، وأرى أن العبء الذي تتحمله الجمعية ثقيل، والمساعي التي تسعى في تحقيقها جاهدة ليست بالقليلة، لذلك نود أن يكون الاهتمام منصباً على القاعدة والمتمثلة في الجانب التعليمي.
وقال: لذلك نرجو من الجمعية تخصيص جزء كبير من جهدها للتعليم لمؤازرة مساعي الحكومة جاهدة نحو دفع دفة التعليم إلى الأمام. وأضاف: من تجربة شخصية أرى بأن المعاناة مازالت موجودة، وآمل أن تكون للجمعية بصمة واضحة في هذا المجال.
وتعليقاً على ذلك، شاطره اللواء عبدالقدوس الرأي شرط الحذر بشكل مستمر، لأنه من الصعب أن نتحدث مع الطفل الصغير حول التخطيط الإستراتيجي وحاجته إلى سن معين لتبدأ بتعليمه هذا المفهوم، ويمكن إعطاؤه مبادئ مبسطة حولهذا المفهوم.
وقال: لقد وضعنا من ضمن أولوياتنا أن نتجه إلى وزير التربية والتعليم كجمعية للاطلاع على الخطط الاستراتيجية الموضوعة للمناهج، وخلق آراء متبادلة لتحقيق الأهداف المرجوة في القاعدة التعليم.
خطط معلبة
يروى اللواء عبدالقدوس أحد المواقف التي مر بها حول التخطيط الاستراتيجي، حيث التقى بزميلُ له يعمل بأحد الدوائر الحكومية بإمارة دبي وقال في العام المقبل إن شاء الله سوف نحصل على جائزة التميز الحكومي، فيقول الدكتور عبدالقدوس سألته عن سر ثقته، فأجابني بأنه أستعان بأحد المتخصصين في التخطيط الاستراتيجي ووضع لهم مايزيد عن ثلاث مئة مؤشر للأداء.
فقلت له: لن تحصل على الجائزة بهذه الطريقة وبعد أن ينتهى برنامج التميز الحكومي سأخبرك بسلبيات التخطيط التي وقعتم فيها، وبعد إعلان النتائج بالفعل أتصل ليسألني عن سبب عدم حصوله على أي جائزة، وكان جوابي: أنتم وضعتم تخطيط استراتيجي جيد ولكن لم تستطيعوا أن تطبقوا أي مؤشر للأداء الذي وضعتموه وهذا سبب عدم حصولكم على أي مركز متقدم لان التخطيط كان بعيداً عن واقع المؤسسة.



