على الرغم من وجود قانون اتحادي، يحدد السقف الأعلى للمهور بما لا يزيد على خمسة وعشرين ألف درهم، وعلى الرغم من أن عمر هذا القانون قد تجاوز الأحد عشر عاماً، إلا أن ظاهرة المغالاة في المهور، مازالت واحدة من الأمراض الاجتماعية التي تستشري في المجتمع، وتؤدي إلى مشكلات منها: العنوسة وارتفاع سن الزواج والزواج من أجنبيات.
وعلى الرغم من الحملات التثقيفية التي تقوم بها المؤسسات المعنية بالعمل الاجتماعي وبالأسرة، وبرغم الحرب الضروس التي شنتها ومازالت وسائل الإعلام على هذه المغالاة في المهور، إلا أن نسبة كبيرة من الآباء، مازالوا يصرون على أن قيمة بناتهم يجب أن تحفظ وتقدر مادياً، وأن على الراغب في الاقتران بهن، أن يسدد مبلغاً محترما وإلا فالباب مفتوح على مصراعيه، لهذا العريس، ولكن ليخرج غير مأسوف عليه.
هذه الظاهرة الغريبة، والدخيلة على مجتمعنا الذي طالما كان يميل إلى التسامح والبساطة، والمنافية للشريعة الإسلامية التي تدعو إلى التيسير على راغبي الزواج، والتي لم تضع شروطاً إلا ما يتعلق بحسن الخلق والدين، كانت على مائدة المجلس الرمضاني، الذي استضافه رجل الأعمال خليفة مطر بالفجيرة، وحضره عدد من الشخصيات العامة والمواطنين.
أعراض جانبية
في البدء قال خليفة مطر: إن المغالاة في المهور، مشكلة قديمة مستمرة، وتبدو عصية على الحل، على الرغم من الجهود المكثفة التي بُذلت من أجل استئصالها، وهي من الظواهر التي تهدد استقرار الوطن بأسره، فهي أشبه ما تكون بمرض السكري، الذي تتشعب وتتعدد أعراضه الجانبية، حتى يصيب العطب سائر أجهزة وأعضاء ووظائف الجسم الحيوية.
فالمهور المرتفعة، تدفع الشباب إلى الزواج من أجنبيات، ومن ثم تتضرر منظومة الثقافة والقيم والعادات والتقاليد، وينعكس الأمر سلباً على أبنائنا المواطنين، خصوصاً الأبناء لأمهات غريبات لا ينتمين للمجتمع، وهي ظاهرة تؤدي إلى ارتفاع نسب العنوسة وتأخر سن الزواج، وهما مشكلتان بالغتا الخطورة وينجم عنها قائمة من مشاكل أخلاقية واجتماعية، هذا فضلاً عن إغراق حديثي الزواج ممن يقترضون للنهوض بأعبائه، في دوامة لا تنتهي من الديون والفوائد التراكمية، وهكذا تضيع أحلى سنوات العمر في عناء وضيق.
وأضاف: إننا إذ نناقش ظاهرة غلاء المهور، وما يترتب عليها من تبعات، إنما نريد أن نضع النقاط فوق الحروف، من خلال البحث عن مسببات مغالاة بعض أولياء الأمور في مطالبهم، ثم ننتقل إلى الجهود التي تم بذلها على الصعيدين الرسمي والمجتمعي لمجابهة الظاهرة، وصولاً إلى اقتراح التوصيات التي يمكن أن تقضي على هذه الآفة الاجتماعية الخطيرة.
وقال: إن المجلس يضم مجموعة من المعنيين بهذه القضية، مما يبشر بأن يكون النقاش مثمراً وثرياً، وحواراتنا موسعة تستعرض القضية من مختلف أوجهها، وتقلبها على كافة الأوجه، مشيراً إلى أن النقاش يتطلب أولاً وأخيراً، أن يتحلى بالشفافية والمكاشفة، والمؤكد أن دفن الرأس في الرمال، لن يجدي نفعاً، ولن يحقق الثمار المرجوة من مجلسنا هذا.
وأشاد خليفة مطر بدور صندوق الزواج في الإرشاد والتوجيه لدعم الأسرة وبناء المجتمع، وذلك عن طريق المحاضرات الدورية والبرامج الثقيفية التي يطرحها من حين لآخر، ما تحققه هذه البرامج من نجاح في مجال تأهيل المقبلين على الزواج لاستقبال حياتهم الجديدة والنهوض بأعبائها عبر الاستناد إلى المعرفة العلمية والموضوعية، موضحاً أن مؤسسة صندوق الزواج يجب أن تقوم بمراجعة أولوياتها من وقت لآخر، بحيث تستطيع التصدي إلى ما يطرأ على المجتمع من سلوكيات وممارسات سلبية تؤدي إلى تفريغ قيمة الزواج المعنوية من محتواها.
والتقط عبد القادر محمد استشاري أسري في مؤسسة صندوق الزوج طرف الحديث، فقال: إن المغالاة في المهور، كظاهرة اجتماعية، قد خضعت للكثير من الدراسات والأبحاث بهدف الوقوف على مسبباتها، وتتفق مع الدراسات على أن المشكلة تعود إلى سيطرة منظومة خاطئة من الأفكار على عقول البعض، إذ يعتقد بعض أولياء الأمور أنه كلما تكبد طالب الزواج مالاً، كلما كان هذا دليلاً على تمسكه بابنته، وكلما أنفق على العرس والملكة والبيت، كلما كان هذا مؤشراً على حرصه على إقامة حياة زوجية.
السداد أولاً
كما يرى بعض الآباء، أنه طالما أن ابنتهم متعلمة وترتقي منصباً مرموقاً وتتقاضى راتباً، فإن على العريس أن يسدد مقدماً ما يعوضها على مساعدتها له في شؤون الحياة مستقبلاً، وهو أمر غريب وضد القيم الأصيلة للمجتمع، وضد ما دأب عليه الآباء والأجداد من ميل إلى البساطة في كل شيء.
وأضاف: إن قيمة الفتاة لا تقدر بالمال، لأنه من الممكن أن يتقدم للزواج منها ثري ولكنه يزيد عن ضعف عمرها، أو رجل أعمال يتزوجها لفترة ثم يطلقها، وهكذا لا تكون ذات قيمة عنده، مشيراً إلى أن الزوج المناسب هو الذي يتوفر فيه عنصر التكافؤ، من حيث المستوى الثقافي والتعليمي والاجتماعي والفكري.
وتساءل: أيهما أفضل للفتاة، أن تتزوج شاباً يحبها، ويريد أن يكون غطاء لها وتكون هي غطاء له، أم أن تتزوج ثرياً يتعامل معها بمنطق الصفقة؟وقال: إن الكثير من أولياء الأمور يتحايلون على قانون تحديد المهور، بأن يطالبوا العريس بشراء كميات كبيرة من الذهب، ويثقلون على عاتقه بأن يشترطوا إقامة حفل الزفاف في واحد من فنادق الخمس نجوم، وهكذا يدخل الشاب في متاهة لا يعرف كيفية الخروج منها، وبدلاً من أن تكون سنوات الزواج الأولى، سنوات سعادة وفرح وهناء، تصبح سنوات بؤس وشقاء وديون.
وأضاف: إن المثل الشعبي يقول: إذا دخل الفقر من الباب، هرب الحب من الشباك، وعليه فإن تبعات مشكلة ارتفاع المهور وتكاليف الزواج، وما ينجم عنها من الغرق في طوفان الديون، يؤدي إلى تحطيم المودة والرحمة بين الزوجين، متسائلاً: كيف نطالب شاباً منغمساً في الديون، أن يكون زوجاً محباً؟ وهل يستطيع الإنسان حينما يكون تحت الضغوط الهائلة، للفوائد المصرفية، والملاحقات القضائية في الكثير من الحالات، أن يكون زوجاً مثالياً هادئاً؟
وقال:إنني أتوجه بالنصيحة لأولياء الأمور، وأدعوهم إلى اتقاء الله عز وجل في بناتهم وفي وطنهم أيضاً، فالتشبث بالمهر المرتفع، والتمسك به، قد يؤدي إلى تنفير الشباب من بناتهم، ومن ثم يدفعون بهن إلى ظلمات العنوسة، ويحرموهن من حقهن الفطري والطبيعي في تكوين أسرة وإنجاب أطفال، وهذا ظلم بليغ وجسيم لفلذات الأكباد.
ولعله من الأحرى بولي الأمر، أن يسعى إلى التيسير وعدم إثقال الشاب بالأعباء، لأن هذا العريس سيكون واحداً من أفراد الأسرة في المستقبل القريب، وما من شك في أن تمتعه بحياة هادئة، سيدفعه إلى إسعاد زوجته، وربما يسعى لتحسين دخله عبر خوض تجربة العمل الخاص، وما إلى ذلك من أشياء، أما إذا كان مديوناً، فاحتمالات نجاحه في الحياة تعد ضعيفة جداً، والأخطر من ذلك أنه قد يدخل السجن في حال التعثر في السجون.وتوجه في ختام كلمته بالكلمة إلى الآباء قائلاً:
زوجوا بناتكم لمن ترضون دينه وخلقه، ولمن ترون أنه أهل بتحمل مسؤوليات الزواج، وللشاب الطموح الذي تشير المقدمات الموضوعية إلى أن مستقبله سيكون واعداً، وفكروا دائماً في التكافؤ التعليمي والثقافي والاجتماعي قبل أن تفكروا في المال، فأنتم لا تبيعون عقاراً أو سيارة، وإنما تطمحون في أن تحظى بناتكم بشريك حياة يكون ذا دين ومروءة، ليواصلا معا مسيرة الحياة، يتشاطران ما فيها من أفراح وأحزان، ويسكنان إلى بعضهما البعض، كما يقول المولى عز وجل: في محكم التنزيل.
هدم الأفكار البالية
من جهته أكد المحامي سعيد الزحمي أن استئصال المشكلات الاجتماعية غير المقبولة، لا يمكن أن يتحقق عبر سن قانون، وإنما عبر تغيير الأولويات وهدم الأفكار البالية ومن ثم بناء منظومة جديدة من الأفكار والمعتقدات تكون أكثر اتساقاً مع الواقع وملائمة للتحديات الراهنة.
وقال: إن ظاهرة المغالاة في المهور ترجع على الأغلب في الحرص على التباهي والتفاخر بالوهم، فالآباء يتخيلون أن مهر الفتاة إنما هو مؤشر لا على مكانتها وحدها، وإنما على مكانة الأسرة ككل، وهذا المفهوم المغلوط لا يمكن استئصاله بقانون، لأنه حتى لو حدد القانون قيمة المهر، فلا مجال لأن يحدد قيمة المبالغ التي يجب انفاقها على حفل الزفاف.
ولا قيمة الشبكة الذهبية، ولا قيمة البيت وأثاث المنزل، وهكذا فمن الممكن أن يلتزم ولي الأمر بالسقف الأعلى للمهر، ثم يخنق الشاب بمطالب أخرى، فيكون كالهارب من الرمضاء إلى النار، على حد تعبيره.وأضاف: إن القضاء على ظاهرة المغالاة في المهور، سيؤتي ثماراً طيبة وسيحقق فوائد كبيرة للوطن بأسره، ولعل أبرز الايجابيات تكمن في الحد من ظاهرة الزواج من أجنبيات، فهذه الظاهرة تعد من أخطر المشكلات التي تهدد منظومة القيم والأخلاقيات الاجتماعية.
مشيراً إلى أن مجتمعنا بحكم الطفرة الاقتصادية، ووجود نسبة كبيرة من الأجانب يعيشون على أرضه، قد أصبح يعاني من رياح التغريب، ومن المؤسف أن قطاعاً كبيراً من الشباب ينفصل وجدانيا عن ثقافة المجتمع، فهل نريد لأبناء الغد المزيد من الابتعاد عن قيمنا؟
وقال: إن التصدي لظاهرة غلاء المهور يجب أن يتم عبر حملة وطنية شاملة، تشترك فيها كل المؤسسات والمنظمات الأهلية المعنية، وعلى رأسها: مؤسسة صندوق الزواج، والاتحاد النسائي العام، وجمعيات العمل النسائي في كل إمارة، ووزارة الأوقاف، ووزارة التربية والتعليم، والتعليم العالي، وكذلك مؤسسات الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية والإلكترونية.
منهج مدروس
وينبغي أن تتم هذه الحملة وفق منهج تكاملي مدروس، وأن تسير على خطين متوازيين، وهما: هدم الأفكار الخاطئة عبر الوسائل الإقناعية، وكذلك بناء منظومة أفكار جديدة يكون من شأنها أن ترسخ القيم المرغوبة والمحمودة.
وأشار الزحمي إلى أن مثل هذه الحملة، لن تؤتي ثمارها المرجوة، من دون أن تستند على أن تعقد المقارنات بين ما تدعو إليه وبين مبادئ ديننا الإسلام، لأن الخطاب الديني هو الأكثر تأثيراً وقربا إلى القلوب في مجتمعنا العربي المسلم، موضحاً أن الإسلام جعل لكل من الزوجين حقوقًا كما جعل عليهما واجبات، يجب أن يعلموها خير عِلم، حتى يؤديا ما عليهما من واجب خير أداء.
ويطلب ما له من حق بصورة لائقة، وإذا علم الزوج والزوجة ما له وما عليه، فقد ملك مفتاح الطمأنينة والسكينة لحياته، وتلك الحقوق تنظم الحياة الزوجية، وتؤكد حسن العشرة بين الزوجين، ويحسن بكل واحد منهما أن يعطي قبل أن يأخذ، ويفي بحقوق شريكه باختياره؛ طواعية دون إجبار، وعلى الآخر أن يقابل هذا الإحسان بإحسان أفضل منه، فيسرع بالوفاء بحقوق شريكه كاملة من غير نقصان.
دعم الأسرة
ويؤكد علي هاشم مسؤول مؤسسة صندوق الزواج بالفجيرة، أن دولة الإمارات قد حرصت على دعم الأسرة المواطنة التي تقوم على الود والتآلف، وتقديم الدعم المادي والمعنوي للمقبلين على الزواج من خلال مؤسسة صندوق الزواج، وما من شك في أن منحة الزواج قد أذابت الكثير من السدود، التي طالما كانت تحول بين رغبة الشاب في إتمام نصف دينه، والاقتران بابنة وطنه، وهذه المنحة ليست مجرد دلالة على أن الدولة تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم أبناءها، ولكنها في الوقت نفسه ذات أهداف اجتماعية سامية، ألا وهي مكافحة الظواهر الاجتماعية المرفوضة، ودعم الأسرة المواطنة، كونها النواة واللبنة الأساسية التي يقوم الوطن على دعائمها.
وقال: إن الاهتمام بالمظاهر الخداعة والركض وراء اقتناء أشياء ثانوية من أجل التفاخر، يعد من أخطر المشكلات التي تزلزل كيان الأسر الناشئة، وما من شك في أنه لو تم استثمار المبالغ الهائلة التي تهدر على الأعراس وما إلى ذلك، في أن يبدأ الشاب مشروعا تجاريا، لكان الامر أكثر جدوى وفائدة له شخصياً، ولأسرته ولاقتصاد الوطن بأسره، فعندئذ سيتحول من شخص يغرق في الديون، تلاحقه المصارف، وقد يضيع مستقبله في حال تعثر في السداد، إلى عنصر إنتاج وبناء يساهم في تعزيز النهضة الاقتصادية على أرض وطنه.
وأكد أن الميثاق الغليظ يستهدف في المقام الأول السكنى والسكينة والمودة، مصداقاً لقوله عز وجل: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون، موضحاً أن التكافؤ المالي يعد عنصراً مهما في العلاقة الزوجية، ولكنه ليس كل شيء.
وقال: إن مؤسسة صندوق الزواج، تعتبر المؤسسة الأكثر اهتماماً بقضايا الزواج، وتهتم المؤسسة بتوجيهات معالي الدكتورة ميثاء الشامسي وزيرة دولة رئيس مجلس إدارة صندوق الزواج، بتشجيع نشر ثقافة الحد من تكاليف الزواج المبالغ فيها.
وذلك من خلال تشجيع فكرة الزواج الجماعي، وتسعى إلى توعية المقبلين على الزواج من خلال محاضرات التثقيف والندوات الجماهيرية المفتوحة والتي تقام بشكل دوري، وكذلك تتصدى المؤسسة لمشكلة ارتفاع نسبة الطلاق، وهذه الممارسات والخطط تنطلق من الهدف الأسمى الذي تتأسس الصندوق من أجل النهوض به، ألا وهو: بناء أسرة إماراتية متماسكة ومستقرة وتنمية وعي الشباب الإماراتي بأهمية اختيار الزوجة الملائمة.
الفحص الصحي
وانتقل إلى الحديث عن أهمية برامج الفحص الصحي للمقبلين عن الزواج، حيث أشار إلى أن هذه البرامج تسعى لإكمال الصورة الكلية، وتؤكد أيضاً الحرص على استقرار الأسرة المواطنة.
وقال: إن الفحوص الشاملة ساهمت في خفض نسبة عدد من الأمراض الوراثية، كمرض الثلاسيميا وبعض العيوب الخلقية، كما تقترن الفحوص ببرامج تثقيف صحي مهمة، مؤكداً أن الإمارات وعبر سياساتها الاجتماعية تؤكد بما لا يدع مجالا للشك على أنها تتبنى سياسة يمكن تلخيصها في عبارة: الإنسان أولاً وأخيراً.
ووافقه الرأي سعيد خماس رئيس غرفة تجارة وصناعة الفجيرة الذي قال: إن سياسة دولتنا الرشيدة تستند على المقولة الخالدة للمغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان: إن لا خير في الثروة ما لم يتم استثمارها لصالح الإنسان ومن أجل رفاهيته.
وقال: إن هذه المقولة البسيطة العميقة، والتي تعبر عن واحد من أهم مبادئ الحكم الرشيد، كانت ومازالت سراً من أسرار الإمارات، والحمد لله الذي هيأ لأرضنا الطيبة حكومة تؤمن بالإنسان، وترى الثروة البشرية أغلى ما تمتلكه، مشيراً إلى أن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وأخاه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وإخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات، يؤكدون قولاً وعملاً، أن رفاهية الشعب واستقراره هي أسمى وأغلى المطالب.
قيم البساطة
ومضى قائلاً: إن آفة المغالاة في المهور، تحتاج منا جميعاً، أن نعود إلى قيم البساطة والقناعة التي تميزنا، وأرى أن على الوالدين أن يهتما باستئصال كل الأفكار الخاطئة من نفوس النشء منذ نعومة أظفارهم، معرباً عن اقتناعه بأن نسبة كبيرة من أولياء الأمور، أصبحوا ينبذون التفاخر الأجوف، ولا يبالغون في مطالبهم المتعلقة بالمهور، مما يشير إلى أننا نسير على الطريق الصحيح، غير أن الاستئصال التام، والقضاء المبرم على المشكلة قد يتطلب المزيد من الوقت.
وأضاف: إن غلاء المهور ومن ثم عزوف الشباب عن الاقتران بالمواطنات، يعد طوفاناً يهدد المجتمع، فمثل هذه الزيجات تفتقد إلى المودة والرحمة، ولا يمكن تحت مظلة أسرة غير متماسكة أن ينشأ الشباب على القيم والأخلاقيات المرغوبة والتي ننشدها، مشيراً إلى أن وجود بعض حالات الزواج التي تتكلل بالنجاح، لا يعني بطبيعة الحال أن نعمم، فالنجاح في حالات الزواج من أجنبيات، يعد استثناء.
وقال: من الظواهر المخيفة والمزعجة التي تنجم عن الزواج من اجنبيات، أن نسبة كبيرة منهن غير مسلمات، وبعضهن يشهرن إسلامهن فقط لإرضاء الزوج، وليس عن اقتناع وإيمان نابع من القلب، وهكذا يضمرن في صدورهن معتقداتهن، وقد يتعمدن غرسها في نفوس النشء، وهذه كارثة بكل المقاييس، لأن الأم كما قال امير الشعراء احمد شوقي: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق.
واختتم موجها الحديث إلى الشباب المواطن قائلاً: انظروا إلى أية درجة يحرص الأب على انتقاء المدرسة الأفضل لأبنائه، حتى يضمن أن يحظوا بالتعليم الأفضل، فكيف به أن يتراخى ويتهاون ولا يدقق ويحسن اختيار الأم التي تؤدي دوراً أهم من دور المدرسة، ألا وهو غرس القيم والعادات والتقاليد والأخلاقيات الحميدة في نفوس فلذات الكبد.
ضرورة وجود سقف للإنفاق
دعا المشاركون إلى أن يتم سن قانون يحدد السقف الأعلى للإنفاق على مصاريف الزواج، ولكنهم في الوقت ذاته اعترفوا بصعوبة تنفيذ وتطبيق مثل هذا القانون، نظراً للاختلافات المادية بين الناس.وأكدوا أن الأعباء التي يتكبدها الشباب في مقتبل العمر، وما يبددونه من أموال في حفلات الزواج والمظاهر الخادعة، تتسبب في تدمير اقتصاد الأسر الناشئة، وتحويل أحلى سنوات العمر، في بداية الزواج إلى جحيم يصلى نيرانه الزوج والزوجة وحدهما، بعد أن تذهب السكرة وتأتي الفكرة.
وأشاروا إلى أن ولي أمر الفتاة حينما يرهق الزوج بالأعباء، يكون قد تسبب في أن تعيش ابنته حياة صعبة فيما بعد، لأن الشاب محدود الدخل لن يتمكن تحت وطأة الديون من أن يلبي لها ما تطمح إليه من حياة كريمة، وبالتالي ستنشب الخلافات وستشتعل المشكلات بين الزوجين، وصولاً إلى المصير المؤسف الذي لا يتمناه أحد، ألا وهو الطلاق.وطالبوا أولياء أمور الفتيات بأن ينظروا على المتقدم لبناتهم كما لو كان ابنهم كونه سيكون فردا من العائلة.
وأن يتساءلوا دائما عما إذا كانوا يرتضون لأبنائهم بجحيم الديون والحاجة والمشكلات النفسية والاجتماعية.وشدد المشاركون على ضرورة العودة إلى روح الدين، فالسلف الصالح لم يكونوا يشترطون لبناتهم إلا الأزواج المتدينين المتمسكين بالأخلاق، وهناك في السير وفي الحديث الشريف الكثير من الحكم التي تعد دررا أخلاقية واجتماعية رائعة، حبذا لو عدنا جميعا لننهل من معينها الذي لا ينضب.
فضل الدعاء في رمضان
تحدث عبد القادر محمد عن بعض المسائل الشرعية ذات الصلة بشهر رمضان المبارك، وركز على فضل الدعاء في شهر الصيام، وماله من أثر بالغ في حياة الإنسان وتوفيقه مستشهدا بقوله تعالى: وَقَالَ (رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون).
وقال: لذلك يجب على الأب أن يكثر من الدعاء لأبنائه وعائلته خلال الشهر الكريم، والأم كذلك، وان نعلم أبناءنا فضل الدعاء والذكر فيعتاد لسانهم على ذكر الله دوما فتطمئن قلوبهم وتنشرح صدورهم وتتيسر أمورهم بإذنه تعالى، وفي هذا فوائد عظيمة، فهم إلى جانب الحصول على الأجر والثواب، كذلك يشعرون بطمأنينة في نفوسهم مصداقا للآية الكريمة: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، وكذلك يطلبون الحفظ من الله تبارك وتعالى.
درس من هدي النبوة
وروى ابن الأثير في (أسد الغابة) ان الرسول صلى الله عليه وسلم لما رفض زواج السيدة فاطمة الزهراء لأبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال الفاروق: أنت لها يا علي ، فقال كرم الله وجهه: فقمت أجر ردائي فرحا بما نبهت إليه، حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: تزوجني فاطمة.
قال : أو عندك شيء، قلت : فرسي وبدني أي درعه، قال: أما فرسك فلا بد منها، وأما بدنك فبعها ، فبعتها لعثمان بن عفان بأربعمائة درهم وثمانين، قال الزرقاني ثم ان عثمان رد الدرع إلى علي فجاء بالدرع والدراهم إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم فدعا لعثمان بدعوات، ولما جاء علي، بالدراهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وضعها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم.
لا ضير من الزوجة العربية
لا يجد المحامي سعيد الزحمي ضيراً في الزواج من زوجة عربية غير مواطنة إذا أحسن الزوج اختيارها، واهتم بأن تكون على حسن خلق وذات علم ودين، لأن المرأة العربية ليست غريبة عن ثقافتنا وعاداتنا، وبالتالي ستربي الابناء على هذه القيم والعادات، وهذا هو الغرض الأساسي والقيمة الأسمى للزواج.
وقال: ما من شك في أنني أفضل أن يتزوج المواطن من ابنة وطنه، فهي الأقرب إلى عاداته وقيمه وتقاليده، ولكن في حال ارتأى الزواج من عربية مسلمة، فإن الأمر يبقى متروكاً لقراره وحريته الشخصية، مشيراً إلى أن الكارثة تكمن في الزواج من أجنبيات غير متعلمات، وإلى أن بعضهن لسن كتابيات من الأساس، فأي قيم ومبادئ سيغرسنها في أعماق النشء، أمل الوطن وذخيرته التي تمكنه من السير قدماً على درب النهضة والتنمية.وأضاف متسائلاً: ماذا نتوقع من امرأة أمية جاهلة وليست ذات دين؟وهل هذه هي الأم الصالحة التي أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم باختيارها؟
وهل ستؤدي مثل هذه الزيجات في الحفاظ على المجتمع ام أنها ستؤدي إلى تغريب النشء وفصله عن واقعه الثقافي والحضاري؟واختتم: من واقع خبرتي في مجال قوانين الأحوال الشخصية، فقد رأيت عشرات الحالات المأساوية، ورأيت آباء مواطنين، يعانون الأمرين بعدما هربت الزوجة الأجنبية بأبنائها إلى وطنها، وأحسب أن الزواج من أجنبيات يأتي من باب المفاسد التي علينا سدها، بشتى الصور الممكنة.
حضور شخصيات بارزة للمجلس
شهد المجلس الرمضاني مناقشات ساخنة ومعمقة لعدد من القضايا التي تهم المجتمع الإماراتي بشكل عام، وفي الوقت الذي تم التركيز فيه على قضية المهور وارتفاعها، ومدى تأثيرها الاجتماعي، وكذلك مدى تأثيرها على الأسرة الإماراتية بصفة عامة، فإن المجلس ناقش أيضا سائر المسائل التي تهم الأسرة، وأهميتها، والدعوة إلى ترابطها التي تمثل أساس المجتمع وقوته.
وقد ضم المجلس عددا من الشخصيات البارزة في إمارة الفجيرة، إضافة إلى لفيف من المسؤولين والشباب المواطنين منهم سعيد علي خماس رئيس غرفة تجارة وصناعة الفجيرة وعلي هاشم مدير فرع مؤسسة صندوق الزواج في الفجيرة والمهندس سيف الشرع المدير التنفيذي لقطاع الموارد المائية والمحافظة على الطبيعة، والمحامي سعيد الزحمي، وعلي الزحمي رئيس المناهج التربوية.


