تراثها سجل لماضيها العريق، وآثارها موسوعة لحضارتها، وحاضرها حكاية لمكانتها قديما وحديثا. عزفت الأوتار على أحداث تاريخها وتغنى بها الرواد والأجداد للأحفاد، سطرت على صفحات الزمن بحروف من ذهب، رموزها باقية في مرسى الحضارة، ولعل أهمها حصنها الذي ظل صامداً ومنيعاً أمام الطفرة العمرانية الحديثة، إضافة إلى سوقها المسقوف (سوق العرصة) وهو من أشهر أسواق المنطقة.

معالم المريجة وأحداث ماضيها زاد تسترجعه شخصيات عايشت وعاصرت وساهمت في صياغة وبناء إمارة الشارقة ومن ثم وضعها في صدر خريطة التراث المحلي والعربي.

ميدان الحديث.. مجلس المريجة الشعبي بالشارقة، حيث حضرته «البيان» والتقطت من على طاولته حلقات لعقود سابقة مضت، في سرديات مشبوبة بالإثارة والحنين والحماس.

الحصن

بداية يتحدث عبدالرحمن أحمد بن شيخ السويدي (متقاعد) قائلاً: المريجة أشهر المعالم التي توليها إمارة الشارقة اهتماما خاصا، والحصن الذي كان قديماً المقر الرسمي والدبلوماسي لاستقبال الوفود في الأعياد والمناسبات، ويستقبل الحاكم فيه ضيوفه، يعد من أهم معالم المريجة الباقية.

ويقول: يعود تاريخ بناء الحصن إلى القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1820 في عهد الشيخ سلطان بن صقر بن راشد الأول، مشيراً إلى أن الحصن كان مقر الحاكم وأسرته حتى عام 1950، وتحول في عام 1960 إلى دائرة الشرطة، وكان مركزاً رئيساً تقام حوله الاحتفالات في الأعياد وعروض الخيول (العرضة) أمام الحاكم.

وأوضح أن الحصن تعرض للهدم في عهد الشيخ خالد بن محمد القاسمي عام 1970 حتى أمر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، بإعادة بنائه.

وكان الحصن في فترة الإدارة الأجنبية ملجأً يحتمي فيه السكان عند هطول الأمطار الغزيرة أو من الأخطار.

وقد استخدم الحصن لإطلاق الإنذار من قبل الحراس في أعلى البرج ضد أي اعتداء، ويمتطي المقاتلون الخيول والجمال استعداداً لأي مواجهة ولاسيما تلك التي كانت تنشب بين القبائل أحيانا، فتطلق بعض المدافع من الحصن، باستثناء (الرقاص) وهو اسم المدفع الذي يرافق المقاتلين، ويحتاج لما يقارب عشرين رجلاً لجره، كما كانت المدافع تطلق إيذانا برمضان وبالعيد.

الفرجان

أما د. حسين جمعة المطوع السويدي، عضو في المجلس الوطني، ومستشار حاكم الشارقة للتعليم، ونائب مدير جامعة الشارقة سابقاً، فيتذكر عائلات الفرجان زمان فيقول: إن الفرجان أو الأحياء السكنية القديمة امتدت بدءاً من الغرب إلى الشرق واحتضنت أسراً وعائلات عريقة.

واحتضن فريج المريجة أسرا وعائلات اشتهرت بها المنطقة الغربية من إمارة الشارقة ومنها: قبائل المزاريع والعبادلة والمنانعة واشتهروا بتعدد نشاطاتهم التجارية ورحلاتهم عبر البحار والمحيطات، أما فريج السوق، فضم عائلات المدفع، والنابودة، والنومان، وابن طويل الشامسي، والمطاوعة وابن ناخي، إضافة إلى عائلة ابن محمود.

أما فريج السوق وهو فريج الشيوخ فقد ميزته بعض المعالم الأثرية التي ترمز إلى قوة الفريج قديماً كالحصن والبيت الغربي، وبيت القصباء الذي كان بمقام القصر الثاني لحاكم الشارقة سابقاً سلطان بن صقر القاسمي رحمه الله، وكان يضم أشقاء الحاكم، إضافة إلى العائلات الأخرى التي استقرت في المنطقة.

أما فريج الشويهين الذي يبدأ من شرق الحصن فكان يضم بيت السركال وبيت محمد بن صقر الذي تحول حالياً إلى متاحف ومواقع أثرية، ثم يأتي بعده فريج ابن درويش وفريج العويسات في (منطقة الشرق)، انتهاء بفريج آل علي الذي يضم أبناء قبيلة آل علي التي انتقلت من (الفشت) والذي يقع فيه حالياً مستشفى القاسمي القديم، أما شرق الفشت فهو لسان اليابسة الممتد في البحر بعدما طمرها البحر في الشرق.

وأكد أن هذه الفرجان جميعها كانت تقع داخل السور القديم لإمارة الشارقة الذي يعود إلى القرن السادس عشر حتى هدم السور لتتم إعادة بنائه، إضافة إلى الفرجان الأخرى التي كانت تقع خارج السور.

أوبئة مميتة

أما سعيد المري فيتحدث عما أصاب المنطقة من أوبئة فيقول: شهدت المنطقة قديما بعض الأوبئة الخطرة، وقد أضرت بالنشاط الاقتصادي، وبصحة السكان، إذ قضت عائلات بأكملها جراء الإصابة بالطاعون والجدري، وأتذكر أبياتا شعرية قيلت في هذا الظرف تصف معاناة الأهالي من تفشي الأمراض وما حصدته:

(صبح مصبح ويا عياله/ في فريج السوق واللية/ تاح سنه وانشرح باله/ انتقى الايواد خصيّة).وأكد أن بعضهم كان يلجأ إلى أماكن بعيدة هروباً من المرض، ومنها الطاعون وكانت أعراضه شدة الآلام في المعدة فيتقلب المصاب حتى يقع أرضاً وتحل به المنية، وتجنباً للعدوى يعزل المصابون بعيداً عن الناس للحفاظ على سلامة السكان.

وذكر أن (الطاعون) تفشى قبل 100 عام ولم يكن انتشاره في الشارقة فقط وإنما في أنحاء الدولة الأخرى ومنطقة الخليج.

وأضاف: أتذكر الجدري كذلك، إذ لم يكن تأثيره أقل، فكان سريع الانتشار ويؤدي إلى الوفاة، وأيضا كان المصاب ينقل إلى منطقة العزل وتتم معالجته على يد أحد الأشخاص الذي أصيب بالمرض سابقا واكتسب المناعة وتم شفاؤه، ويوضع المصاب في مرحلة العناية والاختبار مدة تقارب 40 يوماً يتقرر بعدها شفاؤه ما لم تفارقه الحياة، كذلك تفشى مرض (الجذام) لكنه كان أقل تأثيراً والأكثر شفاء ومع ذلك كانت الناس تعزل في منطقة بعيدة عن السكان تفاديا للعدوى.

مساجد قديمة

ويتناول الحديث د. سلطان بن حرمول الشامسي، مدير إدارة الإحصاء بجمارك الشارقة، فيقول: امتازت الشارقة ومنذ القدم بأجمل المساجد الإسلامية، ومازال بعضها محافظا على هيأته رغم اكتساح مظاهر العمران الحديث المنطقة، والفضل في احتفاظ الإمارة بهذا النمط العمراني إلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الإمارة، الذي حرص على المحافظة على هذه المعالم التراثية.

ومن أهم المساجد القديمة مسجد عبيد بن عيسى، ومسجد المنانعة في الفريج الغربي، إضافة إلى مسجد آمنة بنت عبدالله بن صالح الذي يقع في فريج الشيوخ، ومسجد البدو الذي يصلي فيه زوار الحصن والعاملون في الحصن ومرافقو الشيخ أو (المطارزية).

وسمي المسجد بذلك نسبة إلى البدو الرحالة الذين كانوا يضعون جمالهم جنب الحصن عند وصولهم إلى المنطقة للتجارة أو الزيارة، فكان هذا المسجد هو الأقرب لهم، أما مسجد الجامع الذي يقع على ضفة البحر وبجانب المجلس الشعبي فهو من أكبر المساجد وأقدمها، وقد رمم واستحدث بناؤه على النمط القديم.

وعن طفولته في هذا المسجد يذكر سلطان الشامسي: كنت أقوم بتوزيع المصاحف باستمرار وخاصة يوم الجمعة، أما الصلاة فيه قديماً فكانت تقام بلا أجهزة تكييف لكني لا أنسى ذلك النسيم البارد العليل المعتدل رغم قرب المنطقة من البحر، مضيفاً: تاريخ المسجد قديم فمنذ خروجي إلى الدنيا وأنا أشاهده.

كما استدعى بعض الذكريات قائلاً: شهدت المنطقة مهرجانات احتفالية ومظاهرات احتجاجية، تضامناً مع الأشقاء العرب ومنها انفصال الوحدة السورية المصرية، وأذكر أن أحد الأشخاص ارتفع صوته بالهجوم على الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر مما نتج عنه تطويق الرجل ومعاقبته أمام الناس، كما أذكر المظاهرات التي خرجت بمناسبة زيارة عبدالخالق حسونة عام 1963 في المنطقة، أما الاحتفالات فقد بدأت بعد عام 1972 احتفالاً باليوم الوطني للإمارات، وكانت الوفود الطلابية ترسل إلى إمارة أبوظبي للمشاركة في الاحتفلات الرسمية للبلاد.

 

المقاهي الشعبية

وينقلنا فهد محمد صالح إلى المقاهي فيقول: اكتسحت المقاهي الشعبية المنطقة واستقطبت الرواد باستمرار وكانت مركزاً لتبادل الأحاديث والترفيه عن النفوس، يتناول فيها السكان القصص التي يرويها النواخذة والبحارة، وبعض قضايا المنطقة، فوجدها بعضهم مركزاً ترفيهياً لممارسة بعض الألعاب المسلية مثل الورق و(الدومنة) و(الكيرم) والألعاب القديمة.

واستعرض أهم تلك المقاهي الشعبية التي تعود إلى عام 1945 ومنها: قهوة (شربت)، وقهوة (مرتضى) في سوق العرصة التي مازالت موجودة حتى الآن بحلة جديدة، وقهوة (سارباز) في فريج السركال، إضافة إلى قهوة (حارث) في أحد الفرجان القديمة، كما كانت قهوة (زمزم) أحد المقاهي الشعبية القديمة ويعود إنشاؤها إلى عام 1958، وقهوة (عمر) التي أنشئت في بداية الستينات.

وقهوة (عبدالرحيم) والعديد من المقاهي الشعبية القديمة التي أصبحت في ما بعد لتناول طعام الغداء وخاصة في فصل الصيف بسبب الانتقال من منطقة النخل جنب الروضة، ولقربها من السوق. كما شهدت هذه المقاهي السهرات الرمضانية، وكنا نتناول فيها أشهر المأكولات والمشروبات.

وأضاف: كانت المشروبات الشهيرة حينها (النامليت) وعصير (الكوثر) الذي كانت تنتجه إحدى الشركات المحلية، أما المشروبات الغازية فقد كان سعرها مرتفعا كثيرا، بسبب استيرادها من دولة البحرين وتجلبه بعض السفن القادمة من العراق، وكان سعر زجاجة المياه الغازية 10 آنات هندية، حتى افتتحت شركات التصنيع في دبي لينخفض سعرها إلى أربع آنات.

ويلتقط الحديث علي يوسف القصير، مشرف تربوي متقاعد، ليتحدث عن البحر فيقول: كانت مياه البحر قديماً تغطي الأجزاء التي يقع فيها هذا المجلس، وتحاذي جداره الذي كان في السابق منزل عبدالرحمن محمد المدفع ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الثامن عشر.

وكان الناس يستخدمون الدرج للصعود إلى المسجد المحاذي له، حيث كانت أمواج البحر تصطدم بجدار المسجد باستمرار، وكان رصيف الميناء (الفرضة) قديماً يقع بالقرب من هذا المجلس، وكانت المحامل تتخذ من الفرضة موقعاً لإنزال المؤن الغذائية والبضائع التي كانت تجلب من الهند وغيرها، ومن ثم تصطحب بعض سكان المنطقة والمناطق الأخرى للسفر كل إلى وجهته، وبجانب الفرضة كان المركز البريطاني وكان اسمه (جريه ماكنزي) وهو الموقع المسؤول عن شؤون المراكب القادمة من الخارج: الهندية والأجنبية الأخرى، وهو قريب من فريج المزاريع والعبادلة.

وتطرق علي القصير إلى سوق العرصة وما صاحبه من ذكريات خمسينات وستينات القرن الماضي، من أن زائري المنطقة والتجار من سلطنة عُمان والمناطق الشرقية والوسطى كالذيد ومسافي والفجيرة كانت بضاعتهم من الرطب وثمار المانجو إضافة إلى طعام المواشي (الثمام)، ويضع العابر أو التاجر ناقته في ركن جانبي خارج السوق ويحمل بضاعته إلى الداخل ماعدا بعض الجمال التي كان يصرح لها بالدخول وهي المحملة بالرطب، ومن ثم (تمرح) الجمال خارجاً. وكانت وحدة الوزن المستخدمة في تلك الفترة (الكاس) ويعادل وزنها نصف كيلوجرام.

مؤكداً أن السوق بدأ يشهد قلة الحركة وركودا في ما بعد مرحلة الستينات أو السبعينات لتقتصر نشاطات السوق على الحركة التجارية الداخلية. وشهد السوق تغييرا في الكوادر القائمة على البيع، فتولت الجنسيات الآسيوية منافذ البيع وتخلت الأيدي المواطنة عن بيع البضائع كالسكر والأرز والفواكه وغيرها من السلع، واصفاً الحياة المجتمعية قديما بالأهلية. كما ذكر العملة المتداولة في تلك الفترة وهي الروبية المشتركة (انجليزية-هندية).

وكانت تنقسم إلى روبية ونصف الروبية وربع الروبية إضافة إلى (الآنة) أو(الكركري) لأنها سداسية الشكل أما البيزة فكانت تعادل الفلس حالياً والدرهم الحالي يساوي 16 آنة. أما الأحداث التي رسخت في أعماقه من الصغر فيذكرها بقوله: كنت أرافق عمي ووالدي إلى السوق لبيع الخضراوات والفواكه، وكنا نتناوب أنا ووالدي على المحل عندما يذهب إلى الصلاة.

ويتداخل راشد غانم بن غيث المرر، رجل أعمال، وباحث تاريخي، متحدثاً عن الاصلاحات التي حسب قوله نهضت وارتقت بالحركة البحرية والنشاطات التجارية، وإنه في مرحلة التخطيط والتطوير تم ردم أجزاء من خور البحر في الشارقة كمرحلة أولية، ومن ثم تمت إعادة حفر الخور بالكامل وتعميقه، وتم تجهيز منطقة البر الثاني (الشوش) المقابلة لضفة الحصن، وحولت إلى ميناء للبواخر والحمولات الثقيلة.

أما شجرة الرولة الشهيرة كما يتذكرها راشد بن غيث لكونها أهم رموز الإمارة فهي شجرة تنمو في بيئة بالقرب من التربة الساحلية، ويذكر أنها زرعت في عهد الشيخ سلطان بن صقر الأول، إلا أن بعضهم يشير إلى أنها زرعت في عهد الشيخ خالد بن سلطان بن صقر، وكانت تقام في المنطقة نفسها احتفالات الأعياد والمناسبات.

ويجذبنا خميس سالم المطوع السويدي إلى أحاديث الغوص، مستحضراً (القحة) وهي أحد أهم مغاصات اللؤلؤ، ولاسيما موقعها الجغرافي على الساحل الغربي من دولة الإمارات الذي يؤهل سكانها لاحتراف هذه المهن القديمة، وغناها بالثروة السمكية واللؤلؤ وهو من أهم الكنوز التي تاجر بها البحارة.

وأضاف: لقد جبت البحار في منتصف القرن الماضي، وغصت في (القحة)، وهي متوسطة العمق، وتقاس بـ(الباع) وتوازي المتر أو أكثر قليلاً. وأذكر بعض المغاصات منها (الزهرة) وتقع غرب إمارة دبي ويتم فيها صيد الأسماك بواسطة الخيط الرفيع (الحداق).

وأضاف: كانت رحلات الغوص تمتد إلى أربعة شهور، لكنها تعود أدراجها في شهر شعبان استعداداً لشهر رمضان، وتعود قافلة سفن الغوص ويطلق عليها (السنيار) ويصل عددها أحياناً إلى 20 سفينة أو (محملاً)، وتسمى المغاصات (هيراً) وامتلكت سواحل الإمارات وتحديداً السواحل الغربية القريبة من إمارة أبوظبي مجموعة من (الهيرات) أهمها، هير أم الغبر، هير الغلان، هير أبو الضلوع، هير العميرة، هير المعترض وهير أبوالبزم القريبة من جزيرة داس وغيرها الكثير من المناطق الغنية بمحار اللؤلؤ.

 

بيت الدولة

ويأخذنا ابراهيم عبدالله الحواي بحديثه إلى أهم معالم المرافق الدبلوماسية على ضفاف البحر وبجانب الحصن، ألا وهو بيت السركال وكان يسمى (بيت الدولة)، وبعد انتقال القنصل البريطاني من الشارقة إلى دبي ظل بيت السركال فارغا، وعندما أسست شرطة الشارقة تحول المبنى إلى مركز للشرطة قبل انتقالها إلى القصر في الحصن القديم، مشيراً إلى أن سوق السركال مركز تجاري متعارف عليه منذ أربعين عاما، وهو اليوم أحد الأسواق التجارية المهمة في إمارة الشارقة.

 

المقيظ

وتحدث راشد عبدالعزيز بن درويش عن وسيلة النقل إلى المقيظ، مشيراً إلى أن للسكان قديما نشاطات في الصيف تتمثل بانتقالهم للاستجمام وذلك في المقيظ أو المصيف، إذ تنتقل الأسر من منطقة إلى أخرى غنية بثمار الصيف وخاصة الرطب، أما نحن فكنا (نقيظ) في منطقة شرقان في الشارقة، وبعض السكان يقيظون في (شعم) في رأس الخيمة والمناطق الشرقية من الدولة.

وكان أهالي المنطقة يمتطون الجمال في أسفارهم، ويقصدون المناطق الشرقية الساحلية كالفجيرة ودبا والمناطق التي تقع على ساحل عُمان، وكان هدف معظم رحلات السفر قضاء فصل الصيف في المناطق الغنية بالثمار التي لا تنتج أشجارها إلا في فصل الصيف كالرطب وثمار المانجو ولاسيما أن رحلات السفر الأخرى كان الهدف منها البيع والتجارة من خلال استغلال مكاسب رزق البحر والبر، وعرض تلك السلع للبيع في الأماكن التي نتوجه إليها، وبعد تفريغ البضاعة يقوم المسافر بجلب بضاعة جديدة من تلك التي تشتهر بها مناطق (المقيظ).

 

 

مراكب التحدي تغدو في بحار الفقر

 

 

وينتقل بنا خميس سالم المطوع السويدي بحديثه إلى معاناة المنطقة من الفقر إثر الحرب العالمية الثانية، فيقول تراجعت النشاطات التجارية فيها بسبب انخفاض حجم الاستيراد من المؤن الغذائية وغيرها، فواجه أبناء المنطقة صعوبة في العيش وفي مقاومة التحديات التي واجهها الإماراتي قديماً، وأذكر مبلغ اليومية التي كنت أتقاضاها وكثيرون مثلي من أفراد المجتمع، كنا نتقاضى نصف روبية أو أربع آنات ينفق كل منا القليل منها على نفسه ويبقي منه ما استطاع لإطعام أسرته، ناهيك عن المعاناة التي خلفها الوباء الذي أصاب كثيراً من الناس، وما أدى إليه من نقص في المؤن الغذائية.

ثم بعد ذلك جاء الخير وعملنا في محطات البترول لنتجاوز الفقر الذي ساد البلاد، حتى إن بعض الآباء تركوا الغوص بعد أن أتيحت لهم فرصة أفضل بالتحاقهم بالعمل في إحدى شركات البترول، إذ يبلغ الراتب الشهري فيها 200 روبية بعدما كان يجني الفرد من البحر 20 روبية في الشهر.

 

 

المجالس مدارس الصغار ونواد للكبار

 

 

هيأ المجلس للمسنين والمتقاعدين والشباب أجواء مرحة وخدمات متميزة أتاحت للكبار لعب الورق وممارسة الهوايات القديمة، ليصبح مركزاً ترفيهيا يضم نخبة من معاصري منتصف القرن الماضي، ومؤسسة يتعلم منها الصغار والشباب دروسا للحياة من تجارب آبائهم ومواقف الصراع في سبيل كسب الرزق وإعالة اسرهم، وينقلون للأبناء خبراتهم التي صقلتها الظروف القاسية التي المت بهم في مرحلة الغوص وشهور الغياب والبعد عن الأهل والأولاد.

في مجلس المريجة تم توفير المشروبات الباردة والساخنة، والمأكولات بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة.

وفي شهر رمضان عادة يعج المجلس بأصوات الشجن ومشاعر الحنين إلى الزمن القديم والذكريات البعيدة، وفي كل رمضان تغرد في زوايا المجلس قصص من كل رمضان، كما نتذكر مجالس العائلات العريقة التي حرص على زيارتها معظمنا نحن (الشواب).

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا المجلس الشعبي كان في السابق منزل عبدالرحمن محمد المدفع، ومنذ عشرين عاما أمر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بترميمه وتكريسه لخدمة كبار السن والمتقاعدين ليستعيدوا ذكرياتهم القديمة والأحداث التي عاصروها في المنطقة، وليصبح أيضا موقعاً للشباب الذين يتوقون للتعرف إلى ملامح التاريخ القديم والزمن الماضي.

كرة القدم من الفرجان إلى الملاعب

هكذا يتذكر عبدالوهاب جاسم السعيدي، إذ كانت تقام المنافسات الرياضية والمباريات بين فرق الفرجان، ومن تلك الفرق التي تدخل دائرة التنافس فريق فريج المزاريع، وفريج الشيوخ، وفريج الشويهين وفريج العويسات، وهناك غيرها من الفرجان التي كانت تشترك في المباريات الكروية.

وكان ملعب القاسمية الملعب الأول والوحيد الذي تقام فيه المهرجانات والنشاطات المدرسية والمباريات الرسمية، ثم ظهرت أندية مختلفة بعد إنشاء الملعب الأهلي والوحدة والشعب، والنصر والهلال البحري في دبي، وبعض الأندية التي تغيرت أسماؤها وانتقل أعضاؤها ولاعبوها إلى فرق أخرى.

وأكد أن أول دورة رمضانية أقيمت في مدرسة العروبة بالشارقة وكانت مخصصة لكرة القدم عام 1966 اشتركت فيها جميع المدارس والفرق التي كانت في دبي والشارقة وعجمان، حتى عام 1969 عندما أسس نادي الخليج فأقيمت فيه الدورات الرمضانية، وكانت تشترك جميع الفرق في هذه الدورة.

خريطة الشارقة في القلب 

في قلب المجلس وضعت الخريطة القديمة لإمارة الشارقة فتوضح الفرجان القديمة التي اشتهرت بها الإمارة لتكون محط أنظار الجميع، ومحور حديث ساهم فيه كبار وصغار المجلس ليستذكر الجميع تلك الأروقة التي مروا بها، والأماكن التي كانوا يسعون فيها لكسب رزقهم، والأسواق القديمة كالعرصة التي حرصوا على ارتيادها باستمرار لمعاينة البضائع الجديدة التي جلبت من الهند والبلدان الخليجية.

الخريطة لم تسترجع الأماكن التي قصدها الحضور في المنطقة فحسب، وإنما عرضت الذكريات لأسماء العائلات العريقة والرجال الأشداء الذين تركونا بعدما فارقوا الحياة، منهم بسبب المرض جراء معارك الحياة من أجل البقاء حتى أصيبوا بأمراض العصر كارتفاع الضغط والسكري، إذ أجمع رواد المجلس على أنها ضريبة الحياة العصرية التي يسرت الحياة وقلصت الحركة والتنقل من خلال الآليات الجديدة والتكنولوجيا المعاصرة.