يحرص آباء على اصطحاب أبنائهم إلى المساجد، التي تبقى من أهم وأقدس الأماكن على الأرض، بقصد تعليمهم الصلاة وغيرها من العبادات، فضلاً عن تهذيب النفس والأخلاق لديهم، وعليه لا بد وأن تُقنّن هذه العادة الحسنة بآداب وسلوكيات تمنع العبث بحرمة المسجد وخصوصيته لأداء الصلوات، فتواجد الأبناء داخل المسجد وخاصة أثناء أوقات الصلاة لا سيما صلاة التراويح، يظل محل جدل بين مرتادي المسجد وبعض أولياء الأمور. ونحن نسعى من خلال هذا الموضوع، إلى إيجاد الأطر السليمة التي تمكن مرتادي المساجد من اصطحاب الأطفال معهم كما ينبغي.

غرس الفضيلة

الدكتور مهدي قيس الجنابي أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، أوضح أن المسلم مأمور بأن يعود أبناءه منذ الصغر على الصلاة والصيام وسائر أعمال الخير، حتى إذا بلغوا حدَّ التكليف كانت ممارستها سهلة عليهم، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ). ولا يخفى أن في إحضار الأطفال إلى المسجد فوائد كثيرة، منها: تعليمهم الصلاة، وتدريسهم كتاب الله عز وجل، وحضورهم حلقات العلم، وتأدبهم بالآداب الإسلامية وغير ذلك من الفوائد. لكن ينبغي للآباء أن يحُوطُوهم بالعناية والإرشاد، لكي لا يكونوا سبباً في التشويش على المصلين. أما إذا كانوا سبباً للتشويش على المصلين بالصراخ والركض والجلبة والعبث بالمسجد وممتلكاته، وكانوا لا يأتمرون بأمر، ولا ينتهون عن نهي، فلا يجوز إحضارهم إلى المسجد حينئذ.

ضوابط الاصطحاب

وحدد الدكتور مهدي ضوابط اصطحاب الأطفال إلى المسجد في أن يأمن ولي الأمر عدم تنجيسهم المسجد، ولا يجوز إحضار الصغار ممن لا يؤمن منهم تنجيس المسجد. وأن يكون ممن لا يعبث في المسجد، أو إذا عبث ونُهي عن ذلك كَف عن العبث. وأن يكون لحاجة كتعليم أو تدريب على صلاة ونحو ذلك حتى ينشؤوا على حب بيوت الله عز وجل.

وأشار إلى أن العمر المناسب للأطفال للخروج إلى المسجد، يندرج تحت قسم (لا يعبث في المسجد أو يعبث ولكنه إذا نُهي كف)، وهو في الغالب بين الخامسة والسابعة من العمر، فهذا لا حرج في حضوره إلى المسجد، والأفضل أن يكون بجوار أبيه أو أحد أقاربه الكبار. والقسم الآخر يعبث وإذا نُهي لا يكف، وهو الذي دون الرابعة في الغالب، فلا يحسن الصلاة لأنه لا تمييز لديه، فهذا لا يجوز الإتيان به إلى المسجد، لما يترتب على وجوده من تشويش على المصلين، وهذا التفصيل هو الراجح عند أهل العلم والله أعلم.

تعليم الآداب

ولفت الدكتور الجنابي إلى أن تعليم الأبناء آداب المساجد فعل واجب على أولياء الأمور، بحيث يأمروهم بالتزامها ويشجعوهم على ذلك بإثابة المستجيب منهم بالمكافآت ونحو ذلك، وأن يتعاهدوهم بالتربية الحسنة، وتجنيبهم ما يلوث أفكارهم ويشوه عقائدهم، حتى يميزوا ويصيروا أهلاً لدخول المسجد، وأن يعظموا في نفوسهم حرمة المسجد وأهمية الهدوء وترك الحركة في الصلاة، والصبر عليهم في ذلك التعليم.

قطع الصلاة

وعن جواز قطع الأم صلاتها في حالة بكاء طفلها لفترات طويلة خلال أدائها لصلاة، أجاب الدكتور مهدي قيس الجنابي بالقول: إن العلماء اتفقوا على أن قطع الصلاة المفروضة عمداً من غير عذرٍ شرعي بعد الشروع فيها محرم. والأعذار الشرعية التي تبيح قطع الصلاة منها ما جاءت به السنَّة النبويَّة، ويقاس عليها ما هو مثلها أو أولى.

وأكد الجنابي: إن بكى الطفل وتعذَّر إسكاته من قبل أبيه أو أمه في صلاة الجماعة، يجوز أن يقطعا الصلاة لإسكاته خشيةً أن يكون بكاؤه من ضرر أصابه؛ وخشية من تضييع الصلاة على أهلها بالتشويش عليهم. فإن أمكن إسكاته بحركة يسيرة مع عدم الانحراف عن جهة القبلة فتفعل المرأة ذلك وترجع لصلاتها، فيمكنها مثلاً الرجوع للخلف لحملِه مع عدم قطعها للصلاة، فإن لم تتمكن من إسكاته إلا بقطع الصلاة بالكلية فعلت ذلك ولا حرج عليها إن شاء الله تعالى.

 

أعذار مبيحة

 

أوضح الدكتور مهدي قيس الجنابي أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، أن الشرع حدد الأعذار المبيحة لقطع الصلاة - فريضة كانت أو نافلة بجملة من المسببات، وهي: قتل الحية والعقرب، وخوف ضياع ماله، أو إغاثة ملهوف، أو إنقاذ غريق، أو إطفاء حريق، أو تحذير غافل مما قد يضره.