يرتبط شهر رمضان بذكريات جميلة، وعادات وطقوس استثنائية، تميزه عن سائر الشهور، فقبل أن يبدأ يستعد الجميع لاستقبال ضيف ينتظره المسلمون في كل عام بترقب وشوق وهيئة لا مثيل لها، ما يضفي على أجواء الشهر طابعاً خاصاً. تلك العادات والممارسات تبدأ غالباً بالتهنئة بين كافة أفراد المجتمع، وزيارة الأقارب والجيران لتسوية المشكلات، والتحلي بسلوكيات التسامح التي تنبذ الخصام وتزيل الحقد والكراهية بين الناس، وفي خضم هذه العادات والسلوكيات التي يواظب عليها العديد من أفراد المجتمع، تجد ثلة من الناس يرفضون جملة وتفصيلاً السير في نسقها الجميل، ما أحدث ثغرات في الأجواء المعتادة في الشهر الفضيل، وهو ما يلقي بظلاله في المقارنة بين رمضان الماضي والحاضر.

عبادة وتواصل

يقول المواطن أحمد علي إن رمضان هو شهر عبادة وتواصل بامتياز، وفيه تنتعش العلاقات، وتنتهي الضغينة وتحل المشكلات بروح التسامح، ثم تكثر الزيارات بين الأقارب والجيران، لكن اليوم للأسف تجد أن بعض الأسر يتخلى عن دوره الإيجابي في رمضان، وبعد أن كان الشهر الفضيل يزهو بتجمع ولقاء أفراد العائلة والأقارب وقت الإفطار في بيت كبير العائلة، فقد برزت اليوم ملامح أخرى منها انشغال الناس وكثرة أعمالهم وابتعاد الأبناء بسبب العمل أو السكن، وهو ما قلص من فرص القيام بزيارات، والتواجد على موائد رمضان الممتدة، حتى أصبحت اللقاءات مقصورة على أوقات نادرة.

طابع خاص

أما محمد سعيد فيؤكد أن لرمضان في الماضي طابعاً خاصاً وعادات وطقوس حميدة، أهملها للأسف العديد من أفراد المجتمع اليوم، ففي السابق كانت لياليه عامرة بين أهالي «الفريج» الواحد صغاراً وكباراً وقت الإفطار وفي مجالس الكبار، وكان كل رب أسرة يحمل إفطاره إلى بيت أو مجلس أحد كبار الحي، ويتولى الشباب والصغار مهمة تجميع الموائد، وتوزيعها على شكل حلقات منها لكبار السن وأخرى للأطفال وثالثة للشباب، وفي حال مرض أحد الأشخاص يجتمع أهل «الفريج» للإفطار في بيته، ويصرون على أسرته ألا تحضّر وجبة في ذلك اليوم.

ويلفت سعيد إلى أن هذه التجمعات تزيد من ترابط أفراد المجتمع، وتمنح الجيل الجديد الفرصة لاكتساب بعض السلوكيات والعادات الحميدة، كما أنها تزيد من التقارب للسير في منوال العادات والتقاليد الراسخة جيلاً بعد جيل.

صغار «الفريج»

ويشير خالد أحمد إلى أن رمضان في الماضي كان يزخر بتفاصيل جميلة لازالت حاضرة في الذاكرة، منها اجتماع صغار «الفريج» للهو واللعب في «السكيك» والبيوت التي كانت أبوابها مشرعة أمام الصغار والكبار، فكان الأطفال ينطلقون بعد صلاة التراويح حتى ساعات متأخرة من الليل، يؤنس صراخهم وضحكاتهم عتمة الظلام، وعلى الرغم من جمالية ذلك المشهد، إلا أن هذه الأجواء الرمضانية الطفولية بدأت تتلاشى في كثير من المناطق، وبات الصغار في حدود بيتهم وحسب، أمام شاشات التلفاز والأجهزة الحديثة.

زيارات يومية

يؤيده في ذلك عبدالله الحمادي، الذي يقول إنه في بعض الأحيان، لا يشعر بالأجواء الرمضانية إلا من خلال صلاة التراويح التي تجمع أهل «الفريج»، والذين كانوا سابقاً لا يفرقّهم سوى النوم، ومن العادات الحميدة التي كان يمارسها أفراد المجتمع في رمضان، الزيارات والتجمعات اليومية في أحد بيوت الحي رجالاً ونساءً، صغاراً وكبارًا، وهو ما اندثر اليوم وبقي الأمر مقتصراً على بعض العائلات وفي مناطق محددة.

وفي السابق أيضاً، ومنذ دخول الأيام الأولى لشهر رمضان، كان الجميع يلحظ انتشار مسابقات حفظ القرآن الكريم بين الأطفال والشباب، فلا يكاد يخلو مسجد في الدولة من مثل هذه الحلقات، وفي نهاية الشهر كانت تجري المنافسات بين حفظة القرآن في المساجد المختلفة، واليوم يمكن القول إن انشغال الأطفال وجيل الشباب بالمسلسلات والألعاب والإنترنت، قد ساهم في ابتعادهم عن صلب القيم والعادات الرمضانية الجميلة.

 

خلاف بين جارين

 

يرى المواطن عبدالله علي، أن رمضان بأجوائه الروحانية الاستثنائية، هو مناسبة لإنهاء الخصومة قبل كل شيء، وتطرق إلى موقف بين شخصين تخاصما بسبب شجار بين أطفالهما، وعلى الرغم من أن الجيران حاولوا لثمانية شهور إنهاء الخلاف بينهما، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وفي أحد أيام رمضان استغل أحد الجيران بركات الشهر من أجل الإصلاح بينهما، فبدأ بتذكيرهما بفضل الشهر الكريم، وأهمية فض الخصومات، مستذكراً بعض الأحاديث النبوية، ما دفع أحدهما إلى التوجه إلى بيت جاره وتقديم الاعتذار له، فانتهى الخلاف واستعاد الاثنان أجواء الصداقة والجيرة كما كانت.