تبقى الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي اتسم بها شهر رمضان الفضيل، عالقة في الأذهان، ولعل مائدة ومدفع الإفطار وفوانيسه، تكاد تشكل جزءاً لا يتجزأ من قيمة الشهر ومدلولاته لدى غالبيتنا.

ومن الشخصيات التي لا يمكن نسيانها أو محوها من الذاكرة على الرغم من انحسارها بفعل طغيان التكنولوجيا، المسحراتي «أبو طبيلة» وعباراته التي يرددها وهي تشق صمت الليل «يا نايم وحد الدايم.. قوموا إلى سحوركم، جاء رمضان يزوركم.. يا نايم وحد الله».

اختفاء ونسيان

اليوم، هناك من يتخوف من اختفاء شخصية المسحراتي التي لا يعرفها عدد كبير من أبناء الجيل الحالي ولا يقدرون قيمتها، حتى باتت مهددة بالنسيان إن لم نتنبه لها ونجعلها حاضرة في وجدان أبنائنا، صامدة في وجه التغيرات، تذكر الأجيال الحاضرة والمستقبلية بعادات وتقاليد الأجداد.

منى الرصاصي تربوية تشغل منصب مدير مدرسة الرفاع للتعليم الثانوي في الشارقة، ترى أنه لزاماً على أولياء الأمور والمؤسسات التعليمية، أن تحافظ على الموروث الثقافي والديني في عقل ووجدان الطلبة، والمسحراتي كما تقول، هو أحد هذه الموروثات الجميلة التي تسير نحو الاضمحلال، ودورنا هو تعزيز وجوده عبر تدريسه في الكتب، باعتباره إرثاً ثقافياً واجتماعياً، بطابع ديني بحت.

السابق واليوم

وتعتقد آمال العلي مديرة مدرسة الشارقة النموذجية، أن المسحراتي كان في السابق يتجول في «الفريج» والناس نيام.. اليوم يجوب الأحياء والناس مستيقظون في الكثير من الأحيان، ويسهرون أمام شاشات الفضائيات وأجهزة الحاسب الآلي والهواتف الذكية، معتبرة غياب صورته لدى النشء مسؤولية الأهل بالدرجة الأولى، فهم من عليهم تسليط الضوء على العادات والتقاليد التي تعتبر جزءاً من تاريخنا الذي نعتز به، ومن ثم، يأتي دور المدرسة، وبالفعل لدينا كثير من الطلبة، خاصة الصغار، لا يعرفون ما هو المسحراتي، وماذا كان يفعل، وأنه ما زال موجوداً في بعض الأحياء.

أسامة البطة رئيس قسم البنين في مدرسة الحكمة الخاصة في عجمان، يرى أنه رغم غياب المسحراتي، وانحسار دوره، ما زالت صورته راسخة في الوجدان بأدواته البسيطة، وصوته العذب الذي يردد فيه أجمل الأناشيد والأدعية الدينية التي نتوق دوماً إلى سماعها، متسلحاً بطبلته وإيمانه العميق.

سؤال وإجابات

مسؤولية العاملين في التربية وذوي الطلبة، هي حماية هذه الشخصية من الاندثار عبر التذكير بها والحديث عنها، هكذا يقول البطة، لتبقى محمية.

أين المسحراتي اليوم؟.. سؤال وجهناه إلى عدد من الطلاب والطالبات، فكانت إجاباتهم كالتالي: محمد علي الحمادي طالب في ثانوية معاذ بن جبل، قال: مهنة المسحراتي تسير نحو الزوال، بسبب تغير نمط الحياة وارتفاع المباني الشاهقة، ووجود وسائل التطور التكنولوجي، ما جعل عمل المسحراتي لا ضرورة له.

خلود علي الصف الرابع في مدرسة مريم للتعليم الاساسي، قالت: لا أعرف أي شيء عن المسحراتي، أو ماذا يفعل، وكل ما أعرفه أنه يأتي في رمضان. أما الطالبة مريم أحمد، فأضافت: سمعت عن المسحراتي من جدي الذي اعتاد سرد حكايات قديمة عن البحر والصيد ونمط الحياة سابقاً، لكني لم أره، وأتمنى أن ألتقي به، لأن جدي يحب هذه الشخصية كثيراً.

وسائل حديثة

فاطمة صلاح الطالبة في الصف الخامس لا تعرف ما هو المسحراتي، أما حمدة فيصل فتقول إنه رجل يسير بطبلته ليوقظ الناس للسحور، لكنها تتمنى رؤيته في «الفريج».

عبد العزيز كمال الضو طالب في الصف العاشر، يقول: رأيت المسحراتي في بعض الأعمال التاريخية والدينية، لكن لم يسبق أن تحدث عنه أحد من أسرتي أو حتى في المدرسة.

مهنة المسحراتي، كما تقول فرح جمال المحمود طالبة في الصف الثاني عشر بمدرسة الراشد الصالح، رغم تقلصها، إلا أنها ما زالت موجودة في بعض الأحياء، وفي كثير من الدول العربية، لكن لجوء الناس إلى الوسائل الحديثة لتوقظهم في السحور، مثل منبهات الساعات المنزلية والهواتف المحمولة، جعل حضور المسحراتي مهدداً.

 

مسؤولية المناهج

لسان حال الجميع يقول: نأمل أن نجد في المناهج مواضيع عدة تتحدث عن نشأة تلك الشخصية وتطورها، وكيف أصبحت جزءاً من طقوس الشهر الفضيل.

المسحراتي الذي يجهله كثير من أبناء الجيل الحاضر، سيظل ذكرى جميلة من الذكريات الرمضانية المهددة بالاندثار، وبات على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية، مسؤولية إحياء هذا الفن التراثي المهم.

 

 

نبذة تاريخية

 

تعود مهنة المسحراتي إلى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان المسلمون يعرفون وقت السحور بأذان بلال بن رباح، ويعرفون الامتناع عن الطعام بأذان عبد الله بن أم مكتوم، فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» وفي مكة كان الزمزمي ينادي من أجل السحور، وكان يتبع طريقة خاصة، بحيث يرخي طرف حبل في يده يتدلى منة قنديلان كبيران، حتى يرى نور القنديلين من لا يستطيع سماع ندائه من فوق المسجد، ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، تعددت أساليب تنبيه الصائمين، فابتكر المسلمون وسائل جديدة للتنبيه على السحور، ومن هنا ظهرت مهنة المسحراتي في عصر الدولة العباسية، وفي عهد الخليفة المنتصر بالله، وبعد ذلك انتقلت هذه المهنة إلى باقي الدول الإسلامية.