تتداخل مع شهر رمضان ذكريات زمن جميل، ومعها يتضاعف الإحساس بالحنين والشوق إلى الأسرة ومحيطها الدافئ، إنه واقع لا يغادر حال المغتربين أبداً، خاصة الشباب المقيمين في الدولة بعيداً عن أسرهم، ممن اعتادوا ممارسة طقوس وعادات جميلة تربوا عليها، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بتجليات وروحانيات الشهر الفضيل.

حول المائدة

تقول ديما عبدالكريم طالبة في جامعة الشارقة من كلية الاتصال إن المغتربين عامة ممن يعيشون خارج أسوار الوطن، تعتصر قلوبهم ذكريات مع الأهل حول مائدة الإفطار، ويشتد بهم الشوق لدرجة إن رمضان يتحول في بعض الأحيان إلى إحساس بالوجع، مضيفة: نحاول أن نحافظ على عاداتنا وحتى أطباقنا التي أدمناها في بلادنا، والقيام بكل الشعائر الدينية من صلاة تراويح وقراءة قرآن وتعبد، كما أفعل في بلدي مصر مع الأسرة والأقارب والجيران.

نوال جمال محمود طالبة في الجامعة الأميركية في الشارقة تحاول التغلب على الإحساس بالغربة في شهر رمضان، من خلال خلق جو رمضاني شبيه بذلك الذي اعتادته منذ زمن.. تعد أطباقاً تعلمتها من والدتها وجدتها، فضلاً عن إحياء الشهر الكريم بالعبادة والتواجد في حلقات الدروس الدينية ولقاء بعض الصديقات.

مجالس الرجال

ورغم توافر كل شيء يرى جمال منذر البرغوثي، أن صيام شهر رمضان خارج فلسطين، يبدو «صعباً» بعيداً عن أجواء والتواصل والأقارب، مشيراً إلى أن أكثر ما يفتقده هو مجالس الرجال التي كان يتواجد فيها يومياً، فضلاً عن تبادل الأحاديث العامة وتفقد أحوال بعضنا البعض، ومناقشة قضايا عامة تهم الجميع، فتلك الذكريات الجملية تبقى عالقة في الذهن مهما كان الواقع.

عمر الشامي مدير علاقات عامة في شركة خاصة، يرى أن أكثر ما يؤلم في رمضان أن تكون وحيداً على مائدة الإفطار، أو أن تتناول وجبة الإفطار في أحد المطاعم، تفكر في الأهل، وفي تفاصيل الماضي وكأنها فيلم معاد يتكرر بكل تفاصيله، مشيراً إلى أنه ورغم تواجد بعض الأصدقاء وخروجنا معاً إلا أن رمضان يعني تجمع الأهل والالتقاء على مائدة واحدة.. هي أحاسيس يصعب تعويضها مع أي كائن كان سوى الأهل.

معاناة مضاعفة

أما علاء العتوم مشرف تربوي في مدرسة ثانوية، فيوضح أن أسرته تتواجد في الأردن، وخلال شهر رمضان تتوالى في ذاكرته المشاهد الجميلة والتي تتسم في تفاصيلها بالبراءة والعفوية، ويتابع: أحاول أن أمارس ذات الطقوس، وأن أعد وجبات شعبية مشهورة في بلدي كالمنسف، أو أن أجتمع مع أصدقاء العمل في موائد إفطار جماعية. أما عبدالكريم إسماعيل عبدالقادر، معلم رياضيات، فمعاناته تبدو مضاعفة لأن شريكة عمره وأبناءه يعيشون في السويد، وأمه وإخوانه في فلسطين، وذكرياته الرمضانية مشتتة بين الأهل وأيام الصبا حيث كانت أطباق الطعام تتوزع بين البيوت ويتبادلها الفقير والغني، وبين سهرات الأقارب والأصدقاء، ورغم صعوبة العيش التي كانت تتسم بها الحياة حينها، إلا أنها كانت الأجمل، فالعفوية والحب والراحة النفسية هي السمات التي تغلف الحياة قديماً، ويعتقد عبدالقادر أن الحنين والشعور بالغربة يتعاظم في شهر عرف عنه أنه شهر المودة والمغفرة والألفة والتراحم بين الجميع.

 

وحدة

وجدت دعاء علاء الطالبة في جامعة عجمان، نفسها وحيدة بعد أن اضطر والدها إلى أن يغادر الدولة بعد انتهاء عقد عمله هنا، وتقول: انتقلت للعيش في سكن الطالبات وكانت الأمور صعبة جداً، فقد اعتدت العيش في كنف أسرتي.. الوضع يزداد صعوبة مع شهر رمضان، إذ أجد نفسي وحيدة في السكن الجامعي، ورغم وجود صديقات لي، إلا أن ذلك لا يغني عن لحظة أكون فيها إلى جوار والدتي وأشقائي الصغار. وتنتهي دعاء بالقول: شهر الخير والبركة يكون صعباً على المغترب، ولا يخفف وطأة الشعور بالألم والحنين، سوى التقرب إلى الله تعالى بالعبادة والصلاة، فترتاح النفس وتطمئن في أيام مباركة.