البعد أو النفور الذي يسكن قلوب البعض، لا بد أن يتلاشى حينما يطل رمضان بفضله وخيره على الجميع حيث يتم ترميم وإصلاح العلاقات، فصلة الرحم والتواصل والزيارات بين الأقارب والأصدقاء كفيلة برأب صدع العلاقات المتهالكة بين الجميع، وتنقية قلوب الناس وحضها على المزيد من العطاء، لذلك تظل جداول زيارات الأهل والأقارب مزدحمة طوال أيام الشهر الفضيل، ومن الناس من يحافظ على استمرار الزيارات بشكل دائم، في حين يعتبر البعض هذه الأيام المباركة مناسبة استثنائية لإعادة ترتيب أوراق الزيارات.

يترقب صالح مثنى موظف، شهر رمضان بشغف كبير، ويعول عليه الكثير من الآمال والخطط، منها زيارة الأقارب والأصدقاء، والمبادرة بمصالحة من خاصم في يوم ما. ويؤكد مثنى أن السعادة تغمره حين يجد جموع الناس تتهافت إلى المجالس، ويستمتع أكثر في الاسترسال مع ذكريات برفقة من عاش معهم ظروف الماضي، لاسيما أولئك الذين رافقوه في أيام الطفولة، معتبراً أن شهر رمضان خير محفز لتنشيط الزيارات وتكثيفها واعتمادها نهجاً حتى بعد انقضائه.

اختلاف العادات

ويفتقد مثنى في رمضان جيرانه العرب، الذين كان يتبادل معهم الزيارات بين الحين والآخر، فهو لا يستطيع دعوة جيرانه حالياً لأن جميعهم أجانب ويختلفون في العادات والتقاليد، مؤكداً أن أواصر المجتمع كانت أكثر قوة في ما مضى، وبدأت الفجوات بين الأقارب تتسع بسبب ازدحام الحياة بالمشاغل والملهيات، ويؤكد أن الصغار قبل الكبار كانوا يحرصون في الماضي على حضور المجالس، وهو ما نفتقده نسبياً في الواقع المعاش اليوم.

ويرى أحمد مبارك الشحي موظف، أن الزيارة منهاج تربوي يتلقاه الأبناء من ذويهم، مؤكداً أن تراجع الناس عن هذا النشاط الأسري يعود إلى طبيعة تعامل أولياء الأمور مع الأبناء، فثمة آباء لا يبالون باصطحاب أبنائهم، وإذا أعرض الابن عن الذهاب مع والده في زيارة، تجد الأب يخرج مكتفياً بإملاء التوصيات وحسب، وهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلاً.

ويحرص الشحي على زيارة أقاربه كل يوم جمعة، إذ يقيم أحدهم وليمة يتشارك فيها الجميع، لافتاً إلى أن هذا التقليد يجمع كل أسبوع ست عائلات أو أكثر، وهو مستمر منذ وقت طويل.

قصة مؤلمة

ويضيف محمد صالح موظف، إن المشكلات الأسرية كثيراً ما تقف حاجزاً لمنع زيارة الأبناء لأقاربهم، وغالباً ما يتسع النزاع ليطال الصغار ويقف حجر عثرة أمام الترابط.

ويضرب محمد مثالاً على خطورة قطع صلة الرحم، حينما ذهب في زيارة مع أصدقائه إلى سلطنة عمان، والتقوا بمجموعة من الشباب لم يتعرف عليهم من قبل، وفي خضم تجاذب أطراف الحديث، اكتشف صدفةً أن من يقابله هو ابن عمه.

ويضيف: عندما عدت إلى البلاد، سألت والدي إن كان له شقيق لا نعرفه، فأجاب إن أخاه يسكن في سلطنة عمان، ولا يعلم عنه شيئاً منذ وقت طويل، وأنه فشل في الوصول إليه بعد محاولات كثيرة، فأخبرته بما حدث معي فدهش وفرح كثيراً، وقد كان تاريخ اللقاء قريباً من موعد زفافي، فدعوت أبناء عمي وحضروا الحفل واجتمع الشمل بعد تشتت طال أمده.

ويتمنى عبدالعزيز أحمد طالب، لو دامت زيارات الأقارب طوال العام أسوة بما يكون في رمضان، فكثيراً ما تتراجع هذه المظاهر الطيبة بعد انقضاء الشهر الفضيل، لافتاً إلى أن من فوائد الزيارات، تسهيل مهمة الزواج على الأبناء، ففي التقاء الأسر والجيران، تستطيع الأخت أو الأم أن تختار الزوجة المناسبة لولدها، ما يساهم في الحد من العنوسة التي يعاني منها مجتمع الإمارات.

 

خصام 4 سنوات

توتر العلاقة بين الأقارب أمر يدعو إلى القلق والخوف من تفكك العلاقات الأسرية، والعكس يكون حينما تبدو صور التواصل والتقارب بين الأفراد على أفضل حال. للمواطن (م.ص) حكاية في هذا السياق، إذ يروي قصته بعد أن تزوج مؤخراً على زوجته الأولى، وانتقل للسكن بجوار أهل العروس في منطقة بعيدة، وقرر أن يقاطع معظم أقاربه دون سبب، وظل على حاله هذه أربع سنوات، ثم من تلقاء نفسه أبدى رغبة في إنهاء هذا الخلاف الذي لم يجد له مبرراً، فأجرى اتصالاً مع خاله طالباً زيارته، وتشجع حينما لمس إيجابية وقبولاً، فحمل هدية وتوجه إلى بيت خاله، وحينما وصل البيت والتقى بخاله، ارتمى الأخير على صدره في مشهد يعج بالمشاعر والتعابير، وهنا أدرك الابن أنه قوي بقربه من أقاربه.