للحياة المعاصرة ضريبتها على الفرد والمجتمع، فتغير نمطها فرض الكثير من الجوانب الإيجابية والسلبية، وما بين رمضان اليوم ورمضان الأمس الكثير من أوجه الشبه والاختلاف.. هناك من يتخوف من المستقبل على التقاليد والعادات الجميلة، لاسيما أن لهذا الشهر الكريم عادات وتقاليد كثيرة، منها ما استمر حتى الآن، ومنها ما اندثر، لكنه ظل حياً في ذاكرة كبار السن والكهول الذين تحدثوا إلينا بشغف وحب عن أيام رمضان الجميلة في الماضي، وعن الذكريات التي احتفظوا بها منذ الطفولة.

مائدة واحدة

معظم الأمهات اللاتي التقينا بهن من كبار السن عبرن عن افتقادهن لحميمية العلاقة بين الناس في رمضان. فرمضان ورغم قساوة الظروف في ذلك الوقت إلا انه شهر للخير، وأهل الحي جميعاً كانوا يعيشون أسرة واحدة، وكانت النساء تتعاون في إعداد مائدة رمضان. عن ذلك تقول الوالدة شيخة مبارك «أم أحمد»: لا نذكر فقراء في ذلك الزمان لا يجدون ما يأكلون، لأن أهل الحي كان يطعم بعضهم بعضاً، فكل واحدة من نساء الحي تعد طبقاً وتحضره إلى مائدة الإفطار المشتركة، كل يوم في بيت إحداهن، كما كان الرجال يجتمعون على سفرة إفطار واحدة أيضاً، فلا يأكل الجار وجاره جائع، أما هذه الأيام فقد تغير الناس، الجار لا يعرف جاره، ويكتفي بإلقاء تحية رسمية عليه إن قابله مصادفة.

 وعن عادات شهر رمضان تتحدث مريم محمد جمعة «أم خالد»: ما كنا نفعله في بقية أيام السنة هو ما نكون عليه في رمضان، فالناس بسطاء وحين نستعد لرمضان نعلق قربة الماء (شنة نمزرها بالماء) في شجرة وننتظرها كي تبرد في ظروف الصيف، أو نملأ «الخرس»، وهو وعاء طيني، منذ مطلع يوم الصوم، ونهتم بتوفير التمر واللبن فهو إفطارنا في رمضان وفي غيره، وكنا نصنع السمن البلدي الذي يدخل في أغلب أطباقنا الرمضانية.

سيدات اليوم

وتضيف: إن أطباق رمضان بين الماضي والحاضر لم تتغير، لكنها زادت وتنوعت واختلفت طريقة إعدادها إذ كانت تقتصر على الأطباق الشعبية من «لقيمات وهريس وخبيص ومضروبة» وأنواع متعددة من «المردودة» المرقة التي توضع على الأرز. أما الآن فقليلون الذين يستخدمون السمن العربي خوفاً على صحتهم، وقد استبدلوه بالسمن النباتي، والأكلات القديمة المعروفة أصبحت تعد بأيدي الآسيويين وتباع على الطرقات، فقد تخلت عنها سيدات اليوم لتعدد أصناف الطعام.

طبيعة الحياة كانت تفرض على الناس نظاماً اجتماعياً معيناً، فكانوا قريبين من بعضهم في السكن، وكانت مساكنهم متلاصقة ومتداخلة، ويشعرون ببعضهم أكثر. وكانت أيام رمضان جميلة بمحبة الناس لبعضهم، وتمسكهم بتقاليدهم، وتوضح الوالدة سميرة مبارك فرحان أنه من حسن حظ المرء أن يعيش حتى يبلغ رمضان فيصومه. لذلك يشعر كل شخص أن لرمضان روحاً وكأنه إنسان، فنحاول استقباله وتوديعه بإكرامه عن طريق أداء ما علينا من طاعة على أكمل وجه، والعادات الرمضانية نظام متوارث لا نستطيع التخلي عنها ولا إغفالها، لكن الحياة ومتغيراتها فرضت علينا أموراً لا نستطيع تقبلها، ومنها أن حالة الترف والاكتفاء التي أنعم الله بها على الناس غيّرت البعض فكفّ عن التواصل مع الغير من خلانه وأهله وأصحابه.

صوت المدفع

شريفة صالح محمد «أم عبدالله» من مدينة كلباء تتحدث عن ذكرياتها في رمضان فتقول: أجمل ذكرى هي سماعنا صوت المدفع معلنا عن الصوم، فيبدأ الناس في تهنئة بعضهم بدخول الشهر وتذكير الجيران بالسحور، والتعاون بين نساء الحي في طحن الحبوب وتنعيم الأرز وجلب الحطب للتقليل من تعب المزاولة في نهار رمضان.

ولليالي رمضان خصوصية في بقاء الأطفال والرجال في المسجد لقراءة القرآن بعد صلاة العشاء، والنساء يتجمعن في أحد بيوت الحي إما لشغل أنفسهن والتسامر مع مشغولات يدوية كالحياكة للعيد، أو لتدارس القرآن. وتضيف: إن رمضان يزهو مع مسحراتي الحي الذي ينادي بأعلى صوته «اقعد يا نايم .. قم وحد الدايم»، وتذكر أن لمنطقتهم في كلباء مسحراتي رجل وامرأة يحرصان على إيقاظ كافة الأسر للسحور.

ومن ذكريات الجدة فاطمة برمان «أم عبيد» أن الناس كانوا يستعدون لرمضان منذ 15 شعبان، فيبدأ الجميع بالتمون له، بقصد إعداد الأطباق الرمضانية التي يدخل في أغلبها الأرز والطحين، وكنّ يجتمعن ليلاً مع القرآن، وينهضن منذ الصباح الباكر للصلاة. فرمضان لا يتغير، لكن سلوك الناس هو الذي يتغير بحكم الظروف والزمان، ورغم ذلك يظل رمضان واحة إيمان ومراجعة للذات.

 

الرجال يسافرون

 

تقول كلثم حسين من أمهات جيل الماضي: كان رمضان يمر علينا كبقية الشهور، وفيه لا نعرف راحة ولا هدوءاً، أما الرجال فيسافرون سيراً على الأقدام إلى الأسواق البعيدة لمدة أربعة أيام ذهاباً ومثلها إياباً، ليبيعوا ويشتروا ما نحتاجه من المواد التموينية مثل الأرز والقهوة والبهارات والسكر، لأننا لم نكن نعرف ما يسمى اليوم بالبقالة أو «السوبرماركت»، وكنا نعتمد كثيراً على التمور، خصوصاً في مسائل الزكاة التي يستوجب إخراجها في شهر رمضان، إذ يستخرج كل صاحب مزرعة زكاة ماله بقدر محسوب من التمر أو المحاصيل التي يزرعها.