الأبهري.. أول مبرهني نظرية إقليدس

في ميدان كل مجال علمي، تتسابق الخطى نحو اكتشاف المعرفة، ونيل شرف ابتكار الفكرة الجديدة التي تمثل بقعة ضوء تشع حولها البهجة والأمل فتشرق الحياة، وفي هذا الزحام ربما تتكرر التصوُّرات وتتماثل النتائج، ويضع المتأخر قدمه على موطئ قدم المتقدم، فتختلف الآراء بين الاتهام بالسرقة، ووصْف الأمر بأنه مجرد توارد خواطر، ولكن أياً كانت الحقيقة، يظل للمتقدم حق الاعتراف بالفضل.

في عام 1898م، نشر أحد الباحثين الإنجليز في «مجلة الرياضيات البحتة والتطبيقية» برهاناً لنظرية وضعها عالم الرياضيات اليوناني إقليدس، جاء مطابقاً تماماً للبرهان الذي سبق إليه أثير الدين المفضل بن عمر الأبهري، المتوفى سنة 663هـ، والذي أثبت فيه، قبل الباحث الإنجليزي بنحو 700 سنة، أنه إذا قُطِع مستقيمان بمستقيم ثالث، وكان مجموع الزاويتين الداخليتين الواقعتين على جهة واحدة من القاطع أقل من قائمتين، فإن المستقيمين يتلاقيان في تلك الجهة من القاطع إذا مُدَّا بغير حد، وهو البرهان الذي رأى فيه المتخصصون في الهندسة والمنطق الرياضي إبداعاً أصيلاً وتفكيراً عميقاً، إذ إنه يضيف مكافئاً جديداً لموضوعة إقليدس.

أساتذة مبرَّزون

وُلد أثير الدين الأبهري في القرن السابع الهجري بمدينة أبهر التي كانت تقع بين قزوين وزنجبار، وأقام في بدايات حياته في الموصل، ثم انتقل إلى أربيل، وحفظ القرآن الكريم وتعلَّم الحديث والفقه، ثم اتجه إلى دراسة العلوم العقلية على مشاهير علماء عصره الذين كان من أبرزهم فخر الدين الرازي وكمال الدين موسى بن منعة.. وقرأ عليه كتاب «المجسطي»، وكذلك قطب الدين إبراهيم المصري.. وقرأ عليه كتاب «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا.

ورحل إلى دمشق وحلب وبغداد، وغيرها من المدن التي ازدهرت بالحضارة الإسلامية ونهضت فيها الثورة الفكرية، كما اتصل بعلاقات وثيقة بالأمير محيي الدين الجزري، فقرّبه إليه وأهدى إليه الأبهري بعض مؤلفاته التي شملت الرياضيات وعلم الهيئة والإسطرلاب، إلى جانب رسائله النفيسة في الحكمة والمنطق والفلسفة، منها: «مختصر في علم الهيئة»، «رسالة الإسطرلاب»، «إيساغوجي»، وتلك كلمة تعني باليونانية «المدخل» وهي اسم كتاب وضعه الفيلسوف اليوناني فرفويوس الصوري، أحد ممثلي الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، ليكون مدخلاً للمنطق، وترجمه الأبهري بلغة دقيقة العبارة ذات أسلوب رصين، ليصبح متناً جامعاً في هذا العلم، إضافة إلى اهتمامه بوضع الأزياج (الحسابات الفلكية)، ويُعدُّ كتابه «هداية الحكمة» الذي طُبع في الهند سنة 1845م، من أهم الكتب في تاريخ الفلك العربي، باعتراف المستشرق الإيطالي كارلو نلينو.

جذبت مكانة الأبهري العلمية الكثير من التلاميذ الذين حرصوا على مجالسته والاستفادة من علمه، منهم: القاضي الأصفهاني وأبوعبدالله القزويني، وغيرهم من العلماء الذين أصبحوا من بعده أعلاماً في معارف وعلوم شتى، ما يدل على أننا أمام عالم موسوعي جمع أصول فنون متعددة، وربط بينها بعلاقات خفية تظهر مقدرته على فهمها والتغلغل في تفاصيلها الدقيقة، فنراه يعقد روابط بين المنطق والفلك والهندسة، منتجاً نظريات معرفية تبدو فيها عبقريته، وهو منهج شمولي عمل عليه العلماء المسلمون، يعتمد على تلاقي العلوم لتخدم في النهاية هدفاً واحداً.

لوازم وملزوم

ويسير أثير الدين الأبهري في أبحاثه وفق طريقة استدلالية تميز بها، يغلب عليه فيها الاعتماد على اللازم والملزوم، فيورد القضية ويتبعها بلوازمها، فإن كانت اللوازم ممتنعة ينفيها فينتفي الملزوم، أو يثبت اللازم بإثبات الملزوم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات