أبو بكر الرازي.. مؤسس الطب التجريبي

يحفل تاريخنا العريق بأعلام بارزين أسهموا في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وكانوا وما زالوا نجوماً مشرقة في سماء العلم، نذروا أنفسهم لخدمة البشرية كافة، وقدَّموا جهوداً مشرِّفة في مجالات شتى، منها الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، وغيرها من العلوم الإنسانية، وأثَّرت جهودهم في النهضة الأوروبية تأثيراً اعترف به الأوروبيون أنفسهم.

وخلال شهر رمضان المبارك، تحيي «البيان» ذكرى هؤلاء العلماء، وترحل مع القارئ في عوالمهم الفسيحة، كاشفةً اللثام عن إنجازاتهم التي شكَّلت حلقة في مسيرة التطور، والتي قد اعترى بعضَها النسيان والظلم التاريخي أحياناً.

من المعلوم عند المتخصصين أن صناعة الدواء تمرُّ بمراحل عدة، ابتداءً من فكرة اكتشافه، ووصولاً إلى توفيره في متناول يد المريض، وهي سلسلة من الخطوات اللازمة للتأكد من مدى الأمان والفاعلية، تتسم بدرجة عالية من الدقة والصرامة، مما يدل على أن العلم عاش تاريخاً طويلاً من البحث المضني، حتى يقف على هذه القاعدة العلمية المتفق عليها حرصاً على صحة الإنسان.

يروي التاريخ أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي (251-313هـ) هو من أرسى دعائم الطب التجريبي على الحيوانات، فكان يجرِّب بعض الأدوية على القرود، فإن أثبتت كفاءةً وأماناً جرَّبها على الإنسان، وهي خطوة متقدمة قياساً بعصرها، تنمُّ عن عبقرية فذة في التفكير، استطاع صاحبها أن يضع لبنة راسخة في صرح التطوُّر العلمي، لتتجاوز فكرته حدود الزمن، وتصبح شرطاً واجباً في صناعة الدواء حتى عصرنا الحديث.

سجل إنجازات

ولم تكن ملامح تلك العبقرية، التي تضمن للإنجاز العلمي السبق والاستمرار، باديةً على هذا الإسهام فحسب، بل هي سمة لافتة صبغت معظم ما خطَّه الرازي في سجل إسهاماته، فقد كان أول من فرَّق بين النزيف الوريدي والنزيف الشرياني، مستخدماً الضغطَ بالأصابع لإيقاف النزيف الوريدي.

والربطَ لإيقاف النزيف الشرياني، وهذا ما يُستخدم حتى الآن، كما نصح بتجنُّب الأدوية الكيميائية إذا كانت هناك فرصة للعلاج بالغذاء والأعشاب، وهو ما ينصح به الأطباء اليوم. وُلد الرازي في مدينة الرَّيّ جنوب شرق طهران،.

وتلقَّى تعليمه فيها، وبعدما بلغ الثلاثين من عمره رحل إلى بغداد، عاصمة العلم والخلافة العباسية آنذاك، وهناك اهتم بدراسة علوم عديدة، كالكيمياء والفلسفة والطب، ولمَّا نبغ واشتهر تولَّى رئاسة أطباء البيمارستان المقتدري في بغداد.

المصداقية أساس

يقول الرازي: «عندما تكون الواقعة التي تواجهنا متعارضة والنظرية السائدة يجب قبول الواقعة، حتى إن أخذ الجميع بالنظرية تأييداً لمشاهير العلماء»، وتفسِّر هذه العبارة حقيقة الأسلوب الذي انتهجه في مسيرة بحثه العلمي، فهو لم يكن يأبه بالنظريات الشائعة في تراث اليونانيين وغيرهم، ما لم تُثبت بالتجربة صحتها وانطباقها على واقع الحياة.

ولذا نراه مؤمناً بمصداقية التجربة، ومتمكناً من نقد الأطباء السابقين كما في كتابه «الشكوك على جالينوس». وبالاعتماد على هذا المنهج، نجح الرازي في تحقيق إنجازاته المذهلة، فابتكر خيوط الجراحة المصنوعة من أمعاء القطط التي ظلَّت تُستعمل بعد وفاته قروناً، ووصف عملية استخراج الماء من العيون.

واستخدم الأفيون في علاج بعض الأمراض، وصنع مراهم الزئبق، وأدخل المليِّنات في علم الصيدلة، واعتبر الحمَّى عرَضاً لا مرضاً، واهتم بالتعليق على وصف البول لتشخيص الحالة المرَضية، وفرَّق بين الجدري والحصبة، مدوِّناً في مؤلفاته ملاحظات في غاية الأهمية والدقة للتفرقة بين المرضين.

مؤلفات

تشكِّل كتب الرازي مراجع علمية مهمة لدى الشرق والغرب، ولا سيما موسوعته «الحاوي في علم التداوي»، التي اشتملت على كل الخبرات الإكلينيكية التي عرفها والحالات المستعصية التي عالجها، والتي تُرجمت إلى أكثر من لغة أوروبية.

إضافة إلى «الأسرار في الكيمياء»، و«الفاخر في علم الطب»، و«الطب الروحاني» الذي حث فيه على تكريم العقل، معتنياً بإصلاح أخلاق النفس وقمع الهوى ومخالفة الطباع السيئة، وهي صفات تعكس الجو العام الذي ازدهرت فيه الحضارة العربية الإسلامية، مقدمةً للعالم صورة نموذجية لما ينبغي أن تقوم عليه أي حضارة حقيقية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات