ابن الشاطر.. سيد الفلكيين وملهمهم

يحفل تاريخنا العريق بأعلام بارزين أسهموا في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وكانوا وما زالوا نجوماً مشرقة في سماء العلم، نذروا أنفسهم لخدمة البشرية كافة، وقدَّموا جهوداً مشرِّفة في مجالات شتى، منها الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، وغيرها من العلوم الإنسانية، وأثَّرت جهودهم في النهضة الأوروبية تأثيراً اعترف به الأوروبيون أنفسهم.

وخلال شهر رمضان المبارك، تحيي «البيان» ذكرى هؤلاء العلماء، وترحل مع القارئ في عوالمهم الفسيحة، كاشفةً اللثام عن إنجازاتهم التي شكَّلت حلقة في مسيرة التطور، والتي قد اعترى بعضَها النسيان والظلم التاريخي أحياناً.

العلم سيل هائل من أفكار ورؤى ونظريات، تسبح في فضاء المعرفة، وتتداولها العقول بصحيحها وزائفها، وتظل الحقيقة المطلقة تائهة وسط هذا الطوفان الجارف، حتى إذا صادفت الفكرة عقلاً لا كسائر العقول، استنهضت قواه، ورأى فيها وجهاً جديداً مشرقاً، واستولد منها أفكاراً مثمرة، وصنع منها بعبقريته صورة مكتملة لم تلامس خيالات بقية العقول، ليفتح نافذة من النور تضيء طريق الإنسانية جمعاء.

حين اطلع علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، المشهور بـ«ابن الشاطر» (704-777هـ)، على نظرية بطليموس التي كان العالَم يعتقد بصحتها آنذاك، وتنصُّ على أن الأرض هي مركز الكون، والشمس هي التي تدور حولها، والأجرام السماوية كلها تدور حول الأرض مرة كل أربع وعشرين ساعة، لم يسَعْه أن يتلقاها بالقبول والتسليم، وأخذ يفكر بعمق قائلاً:

«إنه إذا كانت الأجرام السماوية تسير من الشرق إلى الغرب، فالشمس إحدى هذه الكواكب تسير، ولكن لماذا يتغير طلوعها وغروبها؟ وأشد من ذلك أن هناك كواكب تختفي وتظهر سمَّوها الكواكب المتحيرة، لذا الأرض والكواكب المتحيرة تدور حول الشمس بانتظام،.

والقمر يدور حول الأرض»، وهي النظرية التي أثبت المستشرق الإنجليزي ديفيد كنغ، في كتابه «قاموس الشخصيات العلمية»، أن نيكولاس كوبرنيكس استفادها من المخطوطات العربية في موطنه ببولندا، ونُسبت إليه فيما عُرف بـ«النظام الكوبرنيكي».

«المطعِّم»

وُلد ابن الشاطر في دمشق، وتوفي والده وتركه صغيراً، فكفله زوج خالته الذي علَّمه تطعيم الخشب بالعاج، فاحترفه حتى لُقِّب بـ«المطعِّم»، كما درس في المدرسة الظاهرية، ثم عمل في وظيفة التوقيت ورئاسة المؤذنين في المسجد الأموي، وعندما كوَّن ثروة رحل إلى القاهرة والإسكندرية.

وتعلَّم الحساب والهندسة، لكنه ركَّز جهوده في علم الفلك، فاعتنى بتراث معاصريه وأجداده العرب والمسلمين في مجال علم الفلك، وترجم كثيراً من مؤلفات علماء اليونان وغيرهم، ولم يكتفِ بالنقل، بل صحَّح العديد من الأخطاء العلمية، مبتكراً نظريات فلكية حملت بصمته على مدى التاريخ.

منهج

توزعت جهود ابن الشاطر العلمية على جانبين: نظري وتطبيقي، ففي الجانب النظري استطاع أن يُثري المكتبة العلمية بكمٍّ كبير من الكتب والرسائل، أهمها: «إيضاح المغيب في العمل بالربع المجيب» و«النفع العام في العمل بالربع التام» و«نزهة السامع في العمل بالربع الجامع»، وتتناول علم المثلثات الذي يمثل أساساً يعتمد عليه الفلكيون.

كما أجاب دعوة السلطان العثماني مراد الأول الذي طلب منه تأليف كتب تحتوي على نظريات فلكية لحركة الأجرام السماوية حول الشمس، فكان منها «الزيج الجديد»، إضافةً إلى «نهاية الغايات في الأعمال الفلكية» و«أرجوزة في الكواكب».

فائق الذكاء

وفي الجانب التطبيقي، صنع ابن الشاطر آلات فلكية لضبط أوقات الصلاة، مثل آلة البسيط التي وضعها في منارة المسجد الأموي بدمشق، والآلة الجامعة التي لا تزال محفوظة في المكتبة الوطنية بباريس، وتفنَّن في صناعة الساعات، ومنها الساعة النحاسية الموجودة في المكتبة الأحمدية بحلب، وأسهم في ابتكار الإسطرلابات والمزاول الشمسية، وتمكَّن من تحديد مداري عطارد والقمر، واضعاً نموذجين لحركتيهما، ونجح في قياس زاوية انحراف دائرة البروج بدقة كبيرة، مقترباً بشدة من القيمة المضبوطة التي توصل إليها علماء القرن العشرين بواسطة الأقمار الصناعية التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء، مما بهر المؤرخ البلجيكي جورج سارتون، فوصفه في كتابه «المدخل إلى تاريخ العلم» بأنه عالم فائق الذكاء.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات