الزهراوي.. «أبو الجراحة» وموسوعة علوم الطب

«ماذا بوسع الأطباء أن يحققوا بآلاتهم؟! إن وظيفتهم تسبب الآلام»، تصوِّر لنا هذه الكلمة التي صرخ بها البطريرك غريغوريوس التوري (540-594م) غيظاً واحتقاراً للأطباء في أوروبا في القرن السادس الميلادي، الذين كانوا يتلاعبون بالمباضع الحادة والإبر الدقيقة بلا احتياط ولا دقة، دافعين مرضاهم إلى أهوال الموت، كما تكشف لنا قيمة ما قدَّمته الحضارة العربية الإسلامية من جهد علمي أضاء السبيل أمام البشرية كافة.

في كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف»، وضع الطبيب العربي المسلم خلف بن عباس الزهراوي (325-427هـ) الأساس الذي قام عليه علم الجراحة، واصفاً ببراعة من خلال ثلاثين مقالة عمليات جراحة الفم والأسنان والولادة وربط الأوعية الدموية واستخراج الحصى من المثانة وغيرها، وموضحاً بالرسم أشكال أكثر من مئتي آلة جراحية واستعمالاتها، مثل: جفت الولادة والحقنتين العادية والشرجية وملاعق فحص الفم واللسان وكلاليب خلع الأسنان والمشارط، لتكون موسوعته هذه المصدر الذي استقى منه الجراحون الأوروبيون علمهم في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، بعدما ترجموها إلى اللاتينية مرات عدة.

العالِم القرطبي

يُلقب الزهراوي أيضاً بالأنصاري نسبةً إلى أجداده الأنصار، ويسميه الغربيون: البوقاسيس «Albucasis» المحرفة من كنيته أبي القاسم، وينتسب إلى مدينة الزهراء، إحدى ضواحي قرطبة ومسقط رأسه في الأندلس، حيث كانت الجراحة فيها -وفقاً للطبيب الإنجليزي دونالد كامبل- تتمتع بسمعة أعظم من سمعتها في باريس أو لندن أو أدنبره، وكان ممارسو مهنة الجراحة هناك يُمنحون لقب طبيب جراح، بينما يُعرفون في أوروبا بلقب حلاق جراح، وفي هذا الجو العلمي نشأ الزهراوي ودرس العلوم الشرعية والطب والصيدلة، واطلع على منجزات من سبقه من الأطباء، والتحق بالعمل في مستشفى قرطبة، وعندما نبغ تدرج في اعتلاء أكبر المناصب الطبية، حتى أصبح طبيب الحكم الثاني، الذي كان عصره يزدهي بألق حضاري وتقدم علمي في مختلف الفنون والآداب.

تفرد

إن نظرة فاحصة في إسهامات الزهراوي تُثبت استحقاقه لقب «أبو الجراحة»، وتُبين دوره في تمهيد الطريق أمام الأطباء من بعده، فكان أوَّل من شرح عملية سلِّ العروق لعلاج دوالي الساق، وعملية القسطرة التي ابتكر أدواتها، وأجرى عمليات صعبة أحجم عن إجرائها الأطباء قبله، منها شق القصبة الهوائية، ومعالجة انسداد فتحة البول عند الأطفال حديثي الولادة، ومعالجة التهاب المفاصل، وإزالة الدم من تجويف الصدر، واستخراج جذور الأضراس، وعلاج كسور الفكَّين، وتقويم الأسنان، إضافة إلى عملية الولادة الحوضية التي سبق بها الدكتور فالشر بنحو تسعمئة سنة، كما عرف الأورام السرطانية وكتب عنها حقائق علمية مهمة، ومارس الملاحظة السريرية، متفقداً مرضاه بانتظام مع دراسة مراحل تطور المرض.

بعد إنساني

وفي علم الصيدلة، حضَّر الزهراوي العديد من الأدوية باستخدام تقنيتي التسامي والتقطير، شارحاً كيفية تركيب عينات من الوصفات الطبية، ومتحدثاً عن الأدوية المفردة النافعة من السموم والأدوية المسهلة والمدرَّة للبول وأدوية القلب.

يقول الزهراوي مخاطباً تلاميذه: «ينبغي لكم أن تعلموا أن العمل باليد ينقسم قسمين: عمل تصحبه السلامة، وعمل يكون معه العطب في أكثر الحالات»، فهو ينتهج في إجراء الجراحة أسلوباً علمياً صارماً يعتمد على التريُّث والحزم والحيطة والرفق، متحلياً بالإخلاص وتنزيه النفس عما يُدخل الشبهة في الدين، ومدركاً البعد الإنساني في مهنته، التي ورد عنه أنه كان يخصص نصف نهاره لممارستها بلا مقابل مبتغياً وجه الله تعالى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات