أبو الفتح عبد الرحمن الخازن.. عبقري الفيزياء والكيمياء والميكانيكا

يحفل تاريخنا العريق بأعلام بارزين أسهموا في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وكانوا وما زالوا نجوماً مشرقة في سماء العلم، نذروا أنفسهم لخدمة البشرية كافة، وقدَّموا جهوداً مشرِّفة في مجالات شتى، منها الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، وغيرها من العلوم الإنسانية، وأثَّرت جهودهم في النهضة الأوروبية تأثيراً اعترف به الأوروبيون أنفسهم.

وخلال شهر رمضان المبارك، تحيي «البيان» ذكرى هؤلاء العلماء، وترحل مع القارئ في عوالمهم الفسيحة، كاشفةً اللثام عن إنجازاتهم التي شكَّلت حلقة في مسيرة التطور، والتي قد اعترى بعضَها النسيان والظلم التاريخي أحياناً.

في خضمِّ هذه الحياة التي تحرِّكها صروف الأقدار، لا أحد منَّا يختار بيئته، ولا الظروف الاجتماعية التي يعيش فيها، ولكن حين ينطلق عقلك في فضاء الفكر.

وتُتاح لك المعرفة مبذولةً بين يديك، وتحيا بين قمم العلماء وصحائف الكتب، في مناخ تبثُّ عناصرُه في نفسك شغف العلم، وتحفِّزك إلى مغامرة البحث والتجريب، فأنت بلا ريب حرٌّ وإن كبَّلتك بعض قيود الحياة.

لم يذق أبو الفتح عبد الرحمن بن المنصور الخازن (أو الخازني)، المتوفى سنة 550هـ، طعم العبودية لحظةً في كنف علي الخازن المروزي، خازن مكتبة القصر السلطاني، الذي نُسب إليه بعد وفاة والده الرومي الذي كان قد أُسر في حرب بين السلطان السلجوقي طغرل بك والروم البيزنطيين في آسيا الصغرى، إذ وفَّر له سيده التعليم والدراسة والجو الذي يضمن له النشأة العلمية بعدما رأى عليه أمارات النجابة والنبوغ.

فاستطاع أن يطلع على كتب العلوم والفلسفة ويشارك في الحوارات والمناظرات السائدة آنذاك، ليصبح فيما بعد أحد أبرز عباقرة الحضارة العربية الإسلامية، ورمزاً من رموز الفيزياء والميكانيكا تدين له النهضة الأوروبية بالفضل الكبير، وإن تعرض للكثير من الظلم والإجحاف ممن غفلوا عن جهوده وإسهاماته الغزيرة.

وُلد «خازن المعرفة» في مدينة مرو، أشهر مدن إقليم خراسان، وعلى الرغم من أن المصادر لا تدلنا بصورة دقيقة على تاريخ ميلاده، فإنها تؤكد أنه عاش بين القرنين الخامس والسادس الهجريين، في عصر حفل بالعديد من الأسماء اللامعة في سماء العلم، مثل:

ابن سينا والبيروني والفردوسي. وشهد تقلبات سياسية أهمها ضعف الخلافة العباسية وظهور جماعة الحشاشين المتطرفة، وتمكّن في مدة وجيزة من تعلُّم اليونانية والفارسية، مما أهَّله لدراسة الرياضيات والهندسة والفلك وعلوم الطبيعة من مصادرها العربية وغير العربية، كما ساعدته صداقته للأمير معز الدين سنجر على السفر إلى بلاد كثيرة، وأُتيحت له فرصة التتلمذ على يد الشاعرعمر الخيام، الذي كان يقيم في مرو حينها، وعُرف بسعة علمه في الرياضيات والفلك.

19

ومهما يكن حجم الإهمال الذي لحق بشخصية الخازن من العرب والأوروبيين، والذي من أسبابه الترجمة التي أدت إلى الخلط بين اسمه:

«Al Khazen» واسم الحسن بن الهيثم «Al Hazen» لشدة التشابه بينهما، فإن التراث الذي أبدعه الخازن بجد وتعب وإخلاص لا يمكن أن يكون مصيره الضياع والفناء، ففي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي لفت أنظارَ الوسط العلمي ظهورُ كتاب «ميزان الحكمة».

وتسابق العلماء إلى كتابة مقالات توضح قيمته ومكانة مؤلفه بين علماء العالم ودوره في مسيرة العلم في تاريخ البشرية، مؤكدين أن هذا المصنَّف يشكِّل مُنجزاً علمياً ضخماً في مجال الفيزياء، سبق به صاحبه أوروبا والعالم المتقدم برمته، بل وصفه المؤرخ البلجيكي جورج سارتون بأنه أروع ما أنتجته القريحة في القرون الوسطى.

فمن خلال ثماني مقالات، بحث الخازن في علم السوائل الساكنة، وتناول الحديث عن وزن مادة الهواء وكثافته والضغط الذي يحدثه، مشيراً إلى أن للهواء وزناً وقوة دافعة كالسوائل، وأن وزن الجسم المغمور في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي، وأن مقدار ما ينقصه من الوزن يتبع كثافة الهواء، وسابقاً بهذا التصوُّر المتكامل الفيزيائي الإيطالي إيفانجليستا توريتشيللي المشهور بأنه أول من بحث في وزن الهواء وكثافته.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات