منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.
«نهلت الحكمة من مدرسة المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في معالجة الأمور، كونه صاحب بصيرة نافذة، ومدرسة في احترام ثقافة وقيم الآخرين وبناء علاقات ومد جسور التعاون معهم، حيث كان زايد يرى أن الإمارات ليست جزيرة محصورة وإنما امتداد لخليجنا ووطنا العربي وعالمنا الإسلامي»؛ هكذا بدأ الدكتور سليمان الجاسم، باحث أكاديمي حديثه، وهو يستذكر مسيرته الحياتية وفضاءات الزمن الجميل عبر «البيان».
بدايات
كانت البدايات في خورفكان في مدرسة المهلب الابتدائية التي درست فيها المرحلتين الابتدائية والمتوسطة عندما كانت دولة الكويت مسؤولة عن التعليم في الإمارات، وبعد انتهاء هاتين المرحلتين أصبحت مهمة إكمال المسيرة التعليمية صعبة لعدم وجود مدارس ثانوية إلا في دبي والشارقة، وكنت راغباً في التعليم، وأصر والدي على أن أكمل مشواري، وحدث أن قام المغفور له، بإذن الله، الشيخ خالد بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، آنذاك ببناء بيوت للطلبة من أبناء المنطقة الشرقية، حتى يتسنى لهم إكمال تعليمهم، وفي الوقت نفسه كان التعليم في الإمارات تحت إشراف وزارة التربية والتعليم بالكويت، وأرادوا أن يؤهلوا الطلبة للقيام بمهام مهنة التدريس بعد تخرجهم، فاستحدثوا معهد المعلمين في ثانوية دبي، ليدرس الطلاب منهج الثانوية إضافة إلى المواد التربوية والتعليمية، ودرست في مدرسة دبي الثانوية، وحصلت على دبلوم معهد المعلمين، وفي ذلك الوقت كان المنطقة الشرقية نائية، ويصعب أن يأتي إليها مدرس وكانوا يشجعون أبناء هذه المنطقة على الالتحاق بمهنة التدريس وبعد أن حصلت على شهادة الدبلوم عدت إلى مدرستي الابتدائية التي درست بها معلماً.
خبرات دبلوماسية
ويتابع الجاسم في تلك الفترة كانت بداية المشاورات لتأسيس دولة الإمارات فتم ابتعاثي من قبل المغفور له الشيخ محمد بن حمد الشرقي، رحمه الله، إلى القاهرة ودرست في معهد التنمية الإدارية في القاهرة وعدت نهاية 1971 وتم ترشيحي لعمل في وزارة الخارجية في السلك الدبلوماسي في 25 فبراير 1972، وعملت في إدارة المراسم وتمكنت من الحياة والبيئة والشؤون الدبلوماسية، خاصة أن بداية تأسيس دولة الإمارات شهدت العديد من الفعاليات والأنشطة، وتم التحاقي بدورات دبلوماسية حيث وجه معالي أحمد خليفة السويدي، وزير الخارجية في ذاك الوقت بتنظيم دورات وندوات دبلوماسية لتأهيل وصقل خبرات العاملين بالسلك الدبلوماسي، وفي عام 1974 انتدبت ضمن مجموعة من الدبلوماسيين للدراسة في جامعة أكسفورد في بريطانيا ودرست هناك مدة عام العلاقات الدولية والاقتصاد والقانون الدولي والمدرسة الدبلوماسية وفي هذه الجامعة زادت خبرتي في مجال العمل الدبلوماسي نتيجة لزيارات عديدة قمت بها مثل زيارة وزارة الخارجية والبرلمان البريطاني ومقر حلف الناتو كذلك وزارتي الخارجية الألمانية والفرنسية مما أتاح الفرصة أمامي للتعرف إلى الكثير من الممارسات في هذا المجال وفي الشأن السياسي الدولي من أعرق مطابخ السياسة والدبلوماسية العالمية.
الديوان الأميري
ويستطرد الدكتور سليمان الجاسم، فيقول بعد عودتي عام 1975 كان صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي قد تولى الحكم في الفجيرة، فتم انتدابي من وزارة الخارجية للعمل رئيساً للديوان الأميري بالفجيرة حتى العام 1986، وفي تلك الفترة التحقت للدراسة في جامعة الإمارات عام 1981 في كلية العلوم الإدارية وتخرجت في عام 1985، وخلال هذه الفترة اكتسبت خبرات كبيرة نظراً لوجودي إلى جانب صاحب السمو حاكم الفجيرة ومن خلال اللقاءات مع كبار المسؤولين كالوزراء والسفراء وغيرهم، علاوة على ذلك فإن صاحب السمو حاكم الفجيرة كان مرافقاً للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في العديد من سفراته العربية والإقليمية وهذا أتاح لي الفرصة لمرافقتهم ومكنني أن أكون قريباً من مجلس الشيخ زايد، مؤسس دولة الإمارات الذي تعلمت من مدرسته الكثير من الحكمة في معالجة الأمور ودراستها والتأني في إطلاق الأحكام، إلى جانب احترام الآخرين والتعايش معهم، فالشيخ زايد شخصية تاريخية نادرة وبصيرة نافذة أجمع العالم على احترامها ومحبتها.
مناصب تعليمية
وفي عام 1977 انضممت إلى وفد الإمارات في الأمم المتحدة لحضور الدورة 32 للجمعية العامة للأمم المتحدة وهناك تعرفت على الكثير من القضايا ذات الشأن المحلي والإقليمي والدولي، وفي 1986 سافرت إلى بريطانيا لدراسة الماجستير وحصلت على شهادة الدكتوراه في تنمية القوى العاملة من جامعة إكستر، المملكة المتحدة، 1990، وبعد عودتي درست لفترة وجيزة في جامعة الإمارات في كلية الإدارة وبعدها تشرفت بتكليف من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي آنذاك بالعمل ولمدة 16 عاما مديرا لشؤون المجتمع وتنمية القوى العاملة في كليات التقنية العليا في أبوظبي 1990– 2006.
منظومة تعليمية
وانتشرت هذه الكليات أفقياً وعمودياً في جميع أرجاء الإمارات وكانت منظومة تعليمية جديدة أسهمت في رفد سوق العمل بكوادر مؤهلة، وبعدها كلفني الشيخ نهيان بإدارة جامعة زايد خلفا للدكتور حنيف حسن بعد تعيينه وزيراً للتربية والتعليم في 2006 وتعتبر جامعة زايد منبراً أكاديمياً رائداً يمثل نظاماً تعليمياً راقياً أضاف لسوق العمل في الدولة قوى عاملة مؤهلة بمهارات جديدة لم تكن موجودة في مؤسسات التعليم الأخرى، واليوم هذه الجامعة التي تحمل اسم مؤسس الدولة باتت منارة تعليمية وتستوعب في فرعيها بأبوظبي ودبي أكثر من 10 آلاف طالب وطالبة.
والحقيقة أنه بفضل توجيهات معالي الشيخ نهيان بن مبارك كانت جامعة زايد سباقة في إشراك القطاع الأهلي في رعاية الأنشطة الطلابية والأكاديمية انطلاقاً من أن التعليم مسؤولية مجتمعية وشأن مجتمعي وليس مسؤولية الحكومة فقط وبالفعل تم تمويل العديد من كراسي الوقف التعليمي من كبار رجال الأعمال ولاقت الفكرة نجاحاً كبيراً.
رمضان
ويقول الدكتور سليمان الجاسم إن حلاوة ونكهة الشهر الفضيل اختلفت كثيراً اليوم عن أمس، ووسائل التواصل الاجتماعي أخذت حيزاً كبيراً من علاقات الناس والمحطات الفضائية استحوذت على الكثير من وقتهم وهذا لم يكن موجوداً في السابق، حتى المجالس الرمضانية خف بريقها، والتواصل الأسري أصبح أقل فاعلية من السابق، فاليوم وبسبب التقنيات الحديثة أصبح العالم في راحة الكف «الهاتف الذكي» أو في زر التحكم عن بعد من خلال «الريموت كنترول»، كذلك الأمر انتشار المقاهي بكثرة كل ذلك أسهم في تراجع زخم الشهر الفضيل.
مسيرة حافلة
يقول الدكتور سليمان الجاسم بعد رحلة طويلة في العمل الوطني، اليوم لدي أعمالي الخاصة في الشأن التعليمي والصناعي والمصرفي والعقاري. وحاليا أنا باحث أكاديمي أقدم مساهمات ومشاركات في العديد من الأنشطة المختلفة، وخلال هذه الرحلة تقلدت مناصب ومسؤوليات في العديد من المجالات منها المجال التربوي والتعليمي والثقافي والسياسي، بالإضافة لمسؤوليات مختلفة في المجال الاقتصادي والتجاري كرئيس الاتحاد التعاوني الاستهلاكي وعضو مجلس إدارة بنك الفجيرة الوطني، وقدمت العديد من المحاضرات وأوراق العمل في المؤتمرات والندوات المحلية والدولية، وجزء كبير منها تعلق بمواضيع التعليم وتنمية القوى العاملة والتركيبة السكانية.

