يطبق أفكار القيادة وتوجيهاتها الحريصة على دعم التنمية

جاسم محمد بن درويش:تعييني فـــي أمانة البلديات نقطة تحوّل في حياتي

ت + ت - الحجم الطبيعي

منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.

تتعدد الذكريات الجميلة بتعدد الزوايا التي ينظر من خلالها الأفراد إلى واقعهم ويقيسون عبر ميزانها مدى سعادتهم وينظرون من خلالها إلى ما يرضيهم، ولمعرفة المزيد من هذه المعاني، دعونا نتعرف على ضيفنا في هذا العدد.

هو صاحب سيرة عطرة وشخصية تميزت بالكفاح والجد والاجتهاد جاسم محمد بن درويش الأمين العام لأمانة بلديات الدولة الأسبق من خلال مشوار عمله الحافل، شخصيته واثقة وطبيعته هادئة وخزائنه الفكرية تفيض بعطاء العالم وبرؤية الإداري الذي تسلم مهامه الأمين العام منذ عام 1980. تقلد عدة مناصب وتنقل بين عدة مناطق في دولتنا الغالية، عاصر العمل مع عدد كبير من الشخصيات المعروفة.

نشأة وطفولة

ويقول عن نشأته: «ولدت في 5 مايو 1942 وعشت في كنف والديّ، رحمهما الله، مع أشقائي الخمسة وكنا نعيش تحت سقف واحد أنا وأسرتي تحكمنا العادات والتقاليد ومحافظين بطبيعتنا المعروفة والتي نعيشها وسنعيشها أنا وأبنائي وأحفادي والمستمدة من الشريعة الإسلامية. طفولتي في مجملها جميلة جداً وكانت بداية طفولتي في وسط مدينة رأس الخيمة، وعشت بأجواء البحر التي تربيت وصقلت منها مهنة أجدادي الغوص (النواخذه) والصيد التي أصبحت عشقي الذي لا ينتهي».

ذكريات جميلة

حول الذكريات، أوضح بن درويش: « أن الذاكرة مليئة بالذكريات الجميلة سواء من خلال تعاملنا مع أصدقائنا ومشاركتهم باللعب. كانت الحياة جميلة جداً في ذلك الوقت، حيث كان صفاء القلوب هو السائد والتآخي والتراحم بين الجيران والرحلات الجماعية المشتركة بين الأقارب. والشخصية التي أثرت فيّ بشكل مباشر هي شخصية والدي - رحمه الله-، حيث كان يوصيني دائماً بحسن الخلق واحترام الكبير والصغير وعدم قطع رزق أحد».

سيرة عملية

وأضاف: «بدأت حياتي التعليمية من رأس الخيمة نفسها، حيث درست على يد المطاوعة حتى المرحلة المتوسطة، فأنا دائما ما استذكر أفضال من علموني وغرسوا فيّ حب العلم والتعليم وأرى مآثرهم دائما في حياتي والتي لا أزال أنهل منها إلى الآن. غير أني في عام 1962/‏1963 قررت التوقف عن الدراسة والتحقت بمهن متعددة منها البنوك وكذلك بعدها في الجوازات، ومن ثم التحقت بالعمل البلدي لأتدرج في وظيفي حتى أصبحت مديراً للبلدية في الفترة من 1976 لغاية 1979.

وبموجب القرار رقم (2) المصدق من المجلس الأعلى للاتحاد في الثاني من أبريل عام 1980 الذي نص على إنشاء أمانة عامة للبلديات لها شخصية اعتبارية وميزانية مستقلة، تم اختياري أمينا عاما للأمانة، وكنت أنا الأمين الأوحد لهذا الكيان البلدي، حيث تقاعدت في عام 2010، وكانت نقطة تحول في حياتي ما زلت أقطف ثمارها الطيبة في مقدمتها محبة الناس وعلاقتي الوطيدة بهم منذ سنين طويلة».

وتابع: «تتمثل مهام أمانة البلديات في إجراء البحوث والدراسات التي يقتضيها النهوض بالبلديات ودعم رسالتها وتطوير خدماتها، كما من شأنه التعرف على المشكلات التي تعترض البلديات في القيام بمهامها واقتراح الحلول والتدابير اللازمة لمواجهتها إضافة للعمل على تنسيق التشريعات والأنظمة المعمول بها في البلديات في مختلف المجالات بقصد توحيدها قدر الإمكان لاسيما في مجالات التخطيط العمراني وتنظيم المباني والرخص التجارية والتفتيش الصحي. لافتا إلى أنه لا يذكر أي صعوبات واجهته مقابل كم الإنجازات التي تحققت وقتها وكانت كفيلة بسحق كل عائق قد يؤثر على مسار التنمية والتطوير».

الطراز الأول

من خلال عملي تعاملت مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ووجدت فيه الرجل التنموي من الطراز الأول الذي يحرص كل الحرص على تنمية دولة الإمارات بنظرة ثاقبة وبعيدة المدى، وعند أول لقائنا بالشيخ زايد أثناء تشكيل الأمانة أوصانا بالتطوير المستمر للعمل البلدي للارتقاء به في تنمية الإنسان الذي كان يعد أهم مظاهر التنمية. فقد كان يوجه في كل لقاء معه ضرورة دعم البلديات الكبيرة للبلديات الصغيرة، وهذا ما حصل عندما تمت موافقة مجلس الوزراء برئاسة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، على تقديم مساعدات لبلديات الإمارات الشمالية.

وأيضا أثناء نقاشنا مع الشيخ زايد، رحمه الله، والقيادة الرشيدة نجحنا وقتها في تحقيق إنجازات مهمة منها تطبيق ملصقات تحدد تواريخ الإنتاج والانتهاء لجميع المواد والسلع الغذائية، وكذلك شهادة تثبت الذبح الإسلامي لمنتجات اللحوم والدجاج. كما أن علاقتي الطيبة بالمربي الفاضل سمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي، رحمه الله، الذي أوضح لي الكثير من أمور الحياة وكيفية التعامل معها خصوصاً وأنا في بداية عملي القيادي ومن أهم ما تم مناقشته وما اقترحه سموه إنشاء صندوق البلديات ليسهم في توفير الدعم لدور بلديات الدولة، حيث وضع له تصور بأن يحتوي على العديد من الخطط لاستثماره بأفضل السبل الممكنة.

وكذلك ساعدت لقاءاتي بشيوخ الإمارات طوال فترة عملي كثيرا في مد جسور التنسيق والتعاون بين البلديات فيما بينها والجهات المحلية والإقليمية والعالمية من هيئات ومنظمات ذات علاقة بالعمل البلدي والخدمي.

كما سعيت إلى الارتقاء بمنظومة الخدمات التي تقدمها البلديات من خلال تحديث وتوحيد التشريعات والأنظمة البلدية وإجراء الدراسات والبحوث وعقد المؤتمرات والندوات وتبادل الخبرات والزيارات والتجارب الناجحة والمتميزة، بالإضافة إلى نشر الوعي الصحي والبيئي وتعريف المجتمع بالأنشطة البلدية والخدمية. ويأتي هذا إلى جانب علاقاتي الطيبة مع جميع القيادات والشخصيات المؤثرة بالدولة.

تجربة صعبة

وعن أول يوم صامه يقول: «أذكر تفاصيل ذلك اليوم جيداً وكأنه بالأمس القريب، كنت صغيراً في السن وكان يوماً صعباً للغاية غير أن صوم الجميع وتحملهم بكثير من الصبر، اكتمل ذلك اليوم بسلام ولكنها كانت تجربة صعبة للغاية». وعن برنامجه في رمضان بين أنه يحرص على أداء صلاة التراويح وبعد ذلك ليس له برنامج ثابت إما تنظيم إفطار لأهل بيته وأقاربه أو الاتجاه لزيارة الأهل والأصدقاء والتواصل الاجتماعي، كما أن مجلسه مفتوح لاستقبال أي كان.

قيادات بلدية

من يعجبني بالقيادات البلدية هو من يسعى بالتعاون مع زملائه لخدمة منطقته، وتذليل الصعاب لخدمة المواطن، وفي الإمارات يوجد العديد من زملائنا في البلديات ممن تنطبق عليهم هذه السمة، ولعلي بهذه المناسبة أوجه لهم الشكر الجزيل لسرعة العمل والتفاعل لخدمة المواطنين.

وأحب أن أشير إلى أنه بعد ما يقارب 35 سنة من العمل في البلدية والأمانة انتهى المطاف، غير أن حقيقة التقاعد فرصة لإيجاد وقت أكبر للأبناء والأهل وكذلك الراحة النفسية والبعد عن ضغوط العمل، والتقاعد كشف لي أن التقدير والاحترام لم يكن أساسه المنصب، بل على العكس وجدت استمرار التقدير والاحترام من الجميع سواء في إمارة رأس الخيمة أو خارجها، وما زلت على تواصل مع العديد من زملاء العمل والأصدقاء من مختلف شرائح المجتمع.

محطات حياتي

حقيقة من خلال تنقلاتي في العديد من المناطق بنيت قصوراً كبيرة من الأصدقاء والأعزاء والأوفياء من تلك المناطق، ووجدت أن هذا الوطن يزخر بالعديد من الرجال والكفاءات الوطنية التي تستحق التقدير ووجدت اللحمة الوطنية بين أجزاء هذا الوطن الغالي. وفي كل محطة من محطات حياتي أجد أنني استفدت ممن حولي من أهل الشورى والمعرفة ومن خلال الممارسة العملية التي أكسبتني سعة الصدر والحكمة في التعامل مع الجميع.

مع أولادي

لجاسم محمد بن درويش ثلاثة من الأبناء ومن البنات ستة، ويقول: «قد وفقني الله بتربيتهم فهم أبناء صالحون إن شاء الله وبارون بوالديهم، وجميعهم متزوجون ويشغلون مناصب وظيفية وقيادية، وقد كان لزوجتي دور كبير في تربيتهم ورعايتهم ومتابعتهم خصوصا أني أنشغل عنهم أحياناً بسبب عملي والتزاماتي».

طباعة Email