منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.

جعل من بيته بإمارة رأس الخيمة نموذجاً من مكتبه سابقاً في وزارة التربية والتعليم بكل التفاصيل حتى الدقيقة كالملفات والأرشيف والكتب التي قرأها كلها وصور أولاده في جميع مراحل حياتهم وشهادتهم الدراسية. ضيفنا في هذا العدد هو صاحب سيرة عطرة ويعد رجلا حريصا على العلم والتربية وشخصية تميزت بالكفاح والجد والاجتهاد، يكرس حياته بعد التقاعد للقراءة بشكل خاص والكتابة التي أنتجت كتاباً بعنوان: (أبنائي… هذا أبوكم) والذي أهداه لأبنائه من أجل أن يتمكنوا من قراءته عندما يكبرون وذلك لفارق السن الكبير بينه وبينهم.

التربوي محمد عبدالله أحمد فارس آل علي من خلال مشوار عمله الحافل، تقلد عدة مناصب في قطاع التعليم، عاصر العمل مع عدد كبير من الشخصيات المعروفة، فلسفته خلال توليه قيادة التعليم ارتكزت على اعتبار أن الإنسان هو العنصر الأساسي في العملية التربوية. «البيان» التقت معه فسرد لنا مجمل ذكرياته الجميلة.

مولده ونشأته

ولد في صباح عيد الفطر المبارك من العام 1364هـ الموافق من تاريخ السابع من سبتمبر 1945، ويقول: والدتي- رحمها الله– دائماً ما تخبرنا بأن حملها بي كان خفيفاً رغم أنها في شهورها الأخيرة من شهر رمضان الكريم، ولقد اختير لي اسم محمد نزولاً عند رغبة أبي تيمناً باسم المصطفى، صلى الله عليه وسلم، الذي جاء بعد ترشيح ثلاثة أسماء لوالدي لتسميتي، وهم (عيد، وعلي، وشملان). فأنا نشأت وترعرعت في بيت كريم، فوالدي- رحمه الله- من أسرة عريقة ومعروفة من قبيلة آل علي. كما أن جدي كان قاضياً، وجدتي تدعى مهرة بنت حمد الشايع- رحمها الله- حافظة للقرآن الكريم.

رحلة الدراسة

ويتابع حديثه: في رحلة الدراسة كنت في مقدمة حملة الشهادات الأكاديمية الذين تلقوا تعليمهم على يد المطاوعة سلطان حميد السويدي، رحمه الله، وعيسى حمد النعيمي والمرحوم محمد سليمان، وهم أول من التحق بالتدريس فيها بعد أن عينهم الشيخ صقر بن محمد القاسمي رحمه الله مدرسين، حيث حتى عام 1955 لم تكن في رأس الخيمة مدارس نظامية، بعدها فتحت مدرسة شبه نظامية في منزل قديم يعود لصاحب السمو الحاكم آنذاك التحق بها أكثر من 40 طفلاً وفيها تعلمنا القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة والعلوم الحياتية.

في العام الدراسي 1955-1956 تبنت دولة الكويت التعليم في الإمارة وفي هذا العام كنت في الصف الثالث ابتدائي. ثم التحقت بالمدرسة «القاسمية» حتى الصف الأول ثانوي وبعد انتهاء العام الدراسي 1962/1963 التحقت ببعثة دراسية إلى الكويت لأنضم إلى معهد المعلمين هناك، وكانت من أوائل البعثات التعليمية، وتميزت خلال هذه الفترة بالعزيمة وقوة الإرادة والصبر على المشاق، طلباً لنيل العلم والمعرفة. وعدت من رحلة الدراسة حيث عملت قبل أن التحق في مجال التعليم بالذهاب مع أصدقائي لشراء السمك من الصيادين ثم نبيعه للجيران، كما عملت في البحرين على كتابة الرسائل لمن يرغب من أهل الإمارات وعمان مقابل روبية واحدة عن كل رسالة.

فقد عينت مدرساً مع نهاية السبعينات، ثم رشحني صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي- رحمه الله- لمنحة دراسية في الجامعة الإسلامية بالمملكة العربية السعودية، بعد عودتي التحقت بجامعة الإمارات عام 1980 وتخرجت بمعدل تراكمي 3.9 من 4 بتقدير امتياز وحصلت على البكالوريوس في تخصص إدارة عامة/محاسبة في عام 1983.

تقلدت بعدها مناصب تعليمية مختلفة، وقد سنحت لي الفرصة أثناء ذلك في اقتراح تأسيس أول جمعية مهنية في الدولة وتشكيل جائزة الشيخ خليفة بن زايد للمعلم، وأحببت مهنة التعليم وما زلت حتى بعد تقاعدي، وأشير إلى أن وظيفة مستشار ثقافي في سفارة الدولة في القاهرة لم أعتبرها عملاً دبلوماسياً، لأن مهمتي كانت الإشراف على شؤون طلبة الإمارات الدارسين في الجامعات المصرية، إضافة إلى العمل على تقوية الروابط الثقافية بين مصر والإمارات.

مواقف وعبر

وقال: حقيقة من خلال تنقلاتي في العديد من المناطق بنيت قصوراً كبيرة من الأصدقاء والأعزاء والأوفياء من تلك المناطق، ووجدت أن هذا الوطن يزخر بالعديد من الرجال والكفاءات الوطنية التي تستحق التقدير ووجدت اللحمة الوطنية بين أجزاء هذا الوطن الغالي، ففي كل محطة من محطات حياتي أجد أنني استفدت ممن حولي من أهل الشورى والمعرفة ومن خلال الممارسة العملية التي أكسبتني سعة الصدر والتعامل بلطف مع الكبير والصغير إلا مع من لا يقدر ذلك، وهذا بحد ذاته يؤكد أن الحلم بالتعامل هو سيد الموقف في كل حال ويقضي الكثير من متطلبات الناس والمراجعين دون عناء.

«كما إن هناك الكثير من المواقف الحافلة بالعبر التي كان لها تأثير معنوي في تكوين شخصيتي، فأول موقف كان في طفولتي وأنا في طريقي إلى المدرسة القاسمية برفقة بعض الأصدقاء عثرنا على أربع أوراق من فئة الروبية (العملة الهندية) التي كانت معتمدة في الإمارات آنذاك، فتقاسمناها بيننا وعندما عدت إلى المنزل أبلغت والدي بما حدث. فأخذها مني وراح يبحث عن صاحبها في المساجد وبين الصيادين لمدة 40 يوماً، بعدها أرجعها إلي وقال إنها الآن فقط أصبحت من نصيبي».

«فيما كان هناك موقف ثانٍ تعلمته من سائق أجرة في الكويت حين كنت طالباً في معهد المعلمين ففي عام 1964 أصابتني حمى شديدة، فذهب إلى الطبيب وعند عودتي ركبت سيارة أجرة وعند وصولي إلى المنزل لم يكن في حوزتي إلا دينار، إلا أنه كان علي أن أدفع منه ربعاً لكن السائق لم يكن معه باقي الدينار، فرفض أخذ الأجرة لكني رفضت هذا التصرف ورميت له الدينار وعدت إلى البيت، وبعد 4 أشهر فإذا بالسائق نفسه يوقف سيارته بجوار الرصيف ويناديني ليريني الدينار الذي أعطيته إياه عالقاً تحت الإطار الاحتياطي وطلب مني أخذه فأخذته وشكرته على حرصه»

علاقة طيبة

وذكر علاقته الطيبة التي كانت تجمعه والشيخ صقر بن محمد القاسمي– رحمه الله، فقد رشحه للانضمام إلى بعثة دراسية في المملكة العربية السعودية، وقال: «بعد تخرجي من معهد المعلمين بالكويت وعودتي إلى رأس الخيمة، قابلت الشيخ صقر في صيف عام1960 وأبلغته بتخرجي وتعاقدي مع الجهة المسؤولة في الكويت للعمل مدرسا فبارك لي التخرج، ودعا لي بالتوفيق في عملي وبقيت على تواصل معه أزوره في المناسبات. كما حرصت على زيارته مرة أو مرتين كل شهر للحديث عن مواضيع عدة».

الزواج مرتان

وتابع حديثه عن حياته الأسرية: لقد تزوجت مرتين، الأولى من ابنة خالي عام 1969 وعزمت على الاعتماد على نفسي براتب لم يتجاوز 970 ريالاً وعشنا حياة هادئة لم ينقصها إلا الأولاد.غير أنني في عام 1994 قررت الزواج ثانية تحقيقاً لحلمي في إنجاب الأبناء، وكنت قد بلغت الخمسين وواحد وعشرين يوماً من العمر وارتبطت بأم أولادي التي كانت وقتها أرملة في العشرينات من العمر، وبعد أسبوعين من الزواج اكتشفنا حملها بابني البكر «عبد الله» الذي ولد في 28 سبتمبر 1995 ثم بعده رزقنا الله بشيخة وميمونة التي أسميتها على زوجتي الأولى، ثم روضة في 2002 ثم ابنتي نجد وأخيراً هيا في 2004.

طقوس رمضانية

وحول عاداته في رمضان، يقول: رمضان زمان له عبق وجمال خاص لم نعد نشعر به في هذه الأيام، ربما لاختلاف الظروف المعيشية وتطور الحياة. فقد كنت أصوم داخل البيت وخارج البيت لا أصوم (الله يعفو عنا) ومع مرور الزمن ولله الحمد عائلتي محافظة وكانوا يشجعونني، ولقد بدأت الصيام وعمري تسع سنوات، ولكن الذي أذكره من عمر الثالثة عشرة وما بعدها لم يمر علي رمضان إلا وأختم فيه القرآن الكريم من ثلاث إلى أربع مرات. كما اعتدت منذ صغري على النوم باكرا والاستيقاظ قبل الفجر دون أن أتخلى عنها حتى في رمضان. وبما أن شهر رمضان شهر عبادة وشهر الزيادة في مسألة الأمور الدينية وشحذ الهمم وأكثر ما أحرص عليه في رمضان وغيره صلة الرحم، فأنظم ثلاث موائد ثابتة للعائلة والأصدقاء.

تطور التعليم

وفي ختام حديثه، أوضح: «أن التعليم تطور كثيراً والمناهج اختلفت فلا يمكن أن يدرس الجيل الحالي ما كان يدرسه الطلبة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث كانت وسائل ومصادر التعليم بسيطة، مقارنة مع عالم اليوم الذي يشهد يوما بعد آخر تطوراً في فضائه التعليمي والتقني، بمعنى أن التطور العلمي فرض تطورا في المناهج والمقررات الدراسية وأيضا تطوير المعلم بحيث تصبح مهنة التدريس بالنسبة له جزءاً من حياته، يعمل دائما على تطوير نفسه ومواكبة العصر».وتابع: «القراءة كانت وما زالت وستظل جزءا من حياتي، كيف وأنا ابن محب لفنون التعليم».

خير معلم

يقول فارس: إن الإنسان الذي لا يعتز بماضيه. لن يستطيع أن يحدد مستقبله. ولن تكون له سمعة ومكانة جيدة بين أفراد مجتمعه، ولقد حرصت على أن أتعلم من الماضي، وأن أقتدي بسيرة نبينا محمد صلى الله وسلم ونهج آبائنا وأجدادنا، وأجعلهم مثلاً أحتذي به. وكنت لا أستغني عن نصائحهم وتوجيهاتهم.