منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.

ما زال البروفيسور نجيب الخاجة أول جراح قلب إماراتي يتذكر الأيام الفضيلة لرمضان زمان جيداً لأنها تمثل مرحلة الطفولة وكأنها بالأمس، فالذاكرة تحتفظ بذكريات جميلة تختزن تاريخاً لعادات وتقاليد الأهالي واحتفالاتهم بقدوم الشهر الكريم، فمن عاش تلك الأيام يعرف أن حلول رمضان له وقع خاص، وطقوس جميلة تستشعر من خلالها عبق رمضان وقدسيته وروحانيته التي تعبر عنها تلك الأجواء الرمضانية المشبعة بدفء العلاقات والتواصل بين الأهالي وروائح الأكلات الشعبية التي تنتشر في أنحاء الفريج.

الأمس الجميل

ويتذكر الدكتور نجيب جيداً كيف صام أول يوم في رمضان عندما كان ابن سبع سنوات، وكيف كان الجيران يتبادلون أطباق الأطعمة بينهم، وكان الأهل والأقارب يتجمعون لتناول الإفطار، وبعد ذلك يؤدون صلاة العشاء والتراويح، ثم تتجمع النساء مرة أخرى مع الجيران ويتجمع الرجال أمام المسجد لصلاة التراويح وبعدها يتحدثون ويتسامرون حتى وقت متأخر من الليل، أما الشباب والأطفال فينتشرون في الساحات يلعبون ويمرحون حتى وقت السحور، وكانت ألعابهم من وحي البيئة التي يعيشون فيها وهي الألعاب الشعبية التي يمارسها الشباب.

وأحلى ما في تلك الأيام يقول كانت البساطة في كل شيء، في العلاقات بين الناس، في المحبة، في التراحم، والمودة، والصدق، والإيثار، والترابط فيما بينهم، والتسابق في عمل الخير، بالرغم من ضيق ذات اليد، من عاصرها يتمنى أن تعود.

تحديات وصعوبات

عاش في شبابه حياة مليئة بالتحديات، استطاع الانتصار عليها وتحقيق أحلامه. كان هدفه الأول التعلم فنال ما أراد، وكان هدفه أن يصبح طبيبا فأصبح وكان هدفه أن يكون متخصصاً في جراحة القلب ونال ما كان يطمح إليه.

رحلة حياة

كانت ميول وهوايات البروفيسور نجيب الخاجة تنصب على العلوم، لأنه كان يدرك من صغره أن الأمم والشعوب ترتقي وتتطور من خلال التقدم العلمي، وبعد أن أنهى دراسته في مدرسة الأحمدية، وحصل على شهادة الثانوية عام 1974، ذهب إلى جامعة عين شمس بالقاهرة على نفقة الدولة لأن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والمغفور له الشيخ راشد بن سعيد، طيب الله ثراهما، كانا يؤمنان بأن الاستثمار الحقيقي لدولة الإمارات الناشئة هو الاستثمار في بناء الإنسان ومن هنا ابتعثت الدولة بعد قيام الاتحاد آلاف المواطنين لمصر وسوريا والعراق والأردن لمواصلة دراساتهم الجامعية، وانتشر طلبة الإمارات في أنحاء الأرض ينشدون العلم للعودة لخدمة بلادهم، وكانت تخصصاتهم في كل المجالات: في الطب، الهندسة، العلوم التقنية المختلفة، في العلوم السياسية والاقتصاد لأنه لم يكن في الدولة جامعات.

حلم الطب

ولم يكن يجول في ذهنه في ذلك الوقت سوى دراسة الطب، وشجعه على ذلك الأهل، ومازال يذكر عندما طلبوا منه في الجامعة كتابة التخصص الذي يود دراسته، كتب الطب، وترك 9 مساقات أخرى فارغة.

ويرى البروفيسور نجيب أن السنوات السبع التي أمضاها في القاهرة كانت سنوات عظيمة في حياته، وهي تجربة الغربة الأولى، حياة مختلفة عن حياة البساطة التي كنا يعيشها في الإمارات، وقد علمته الغربة التحدي والاعتماد على النفس وجعله كل ذلك التحدي طبيباً، لخدمة أهله وبلده.

مع الرعيل الأول

ويعتبر البروفسور نجيب نفسه محظوظاً جداً، لأنه عاش في تلك الفترة الخصبة المليئة بالأحداث والتحديات وفترة تأسيس الدولة وتحولها إلى دولة تمتلك أفضل بنية تحتية في المنطقة العربية. حتى إنها وصلت إلى مصاف الدول المتقدمة. ولم يتوقف الأمر عند تلك المرحلة، كما يقول بل أصبحنا رواداً على المستوى العالمي وباتت دول كثيرة تستعين بخبراتنا وأصبحنا ندير مؤسسات ضخمة عالمية في أوروبا وأميركا وشرق آسيا.

في مدينة الضباب

بعد التخرج من كلية طب جامعة عين شمس انضم البروفيسور نجيب إلى دائرة الصحة سابقاً «هيئة الصحة حالياً» وعمل في مستشفى راشد في دبي حتى العام 1985. بعدها غادر إلى بريطانيا لاستكمال دراسته العليا، وأمضى سنة كاملة في دورات تقوية العلوم الأساسية في لندن وتحديداً في الكلية الملكية للجراحين مدة سنة تقريباً، وعمل هناك فترة شهرين في بريستول في تخصص جراحة القلب.

عمليات القلب

ولأسباب كثيرة انتقل بعدها للدراسة في السويد في جامعة جوتنبورغ في مدينة جوتنبورغ. كان ذلك في نهايات العام 1985 وكان التخصص الذي اختاره جراحة القلب والصدر، وحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه. أولاً حصل، بالطبع، على الماجستير ومن ثم الدكتوراه. وخلال الخمس سنوات التي قضاها في السويد تعلم اللغة السويدية واستطاع تعلم الجراحة (جراحة القلب) والصدر على أصولها، وعمل في السويد ما يقارب من 600 عملية قلب مفتوح، ولكن حنينه للوطن وشوقه الشديد للأهل والأصدقاء دفعه للعودة لخدمة الدولة وعاد للعمل في هيئة الصحة حيث كلف عام 1991 بتأسيس ورئاسة أول قسم مستقل ومتكامل لجراحة القلب بمستشفى دبي، وأجرى آلاف العمليات الجراحية الخطرة والمستعجلة والدقيقة والمستعصية والروتينية لكافة أنواع أمراض القلب.

مسيرة حافلة

قدم البروفيسور نجيب خلال مسيرته الحافلة للمكتبة العلمية العالمية المتخصصة في جراحة القلب المفتوح وأمراض القلب ثروة هي عبارة عن 200 بحث، أضافت الكثير إلى تطوير عمليات جراحة القلب. وهو عدا عن ذلك احترف مهنة البحث العلمي، ولذلك هو يتبوأ الآن منصب الأمين العام لجائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية رئيس المركز العربي للدراسات الجينية. حصل البروفيسور نجيب على عشرات الجوائز المحلية والعالمية ولكن أهم جائزة في حياته هي جائزة الإمارات التقديرية التي نال شرف تسلمها من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى جانب العشرات من الجوائز المحلية والعالمية.

خارج غرفة العمليات

هجر البروفيسور نجيب غرف العمليات في العام 2006 بعدها تفرغ لإدارة أعمال العائلة لفترة قبل أن يلتحق بالعمل في مؤسسة ماجد الفطيم التي ما زال يعمل بها حتى الآن تاركاً خلفه سجلاً حافلاً.

البروفيسور نجيب ليس نادماً على ترك مهنة الطب التي أمضى فيها أربعة عقود بين الدراسة والعمل ويقول أعيش ليومي وأؤمن دائماً بتلك اللحظات التي أعيشها. وأعتقد أن الإنسان يواجه من حين لآخر مصاعب، وكنت ولا أزال أتساءل هل كان أفضل لو لم أكن طبيباً؟

وأطرح هذا السؤال على نفسي دائماً. ولكن أشعر بالسعادة الآن لأنني أنجزت الكثير في حياتي على الرغم من التحديات التي واجهتها منذ سنوات شبابي الأولى. لقد حققت هدفي بأن أكون متعلماً وطبيباً وجراحاً وأستاذاً في كلية الطب في السويد. وهي طموحات صعبة التحقيق وقد حققتها كلها.

الفشل في نظره، تجربة يتعلمها الإنسان لتحقيق النجاح. ويتعلم منها الإنسان بألا يخطئ في المرات المقبلة لأنك تنظر إلى الماضي ككتاب مفتوح يعلمك الكثير من التجارب لتحقيق النجاح.

حان وقت الرحيل

يقول البروفيسور نجيب الخاجة: في العام 2006، وصلت إلى مرحلة كان لابد ان أتقاعد فيها وتسليم الرسالة إلى الأطباء القادرين، وهم قادرون على القيام بالواجب بامتياز. لقد أديت دوري خلال قرن من الزمن في مجال جراحة القلب وحان الوقت للتقاعد.