منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة..
ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.
في أجواء مليئة بالروحانية تعبق في ثنايا الأمكنة، كان لرمضان لذة ذات طعم مختلف نستقبله بفرح وبطقوس أعدت خصيصاً له، في فريج صغير بيوته متلاصقة متحابة.
ما زلت أذكر تفاصيل بيت جدي الواقع في فريج الشيوخ على الشارع مباشرة بمساحته الشاسعة وغرفه المتعددة، لا أنسى طقوس الاستعداد للإفطار، حيث تتردد في أذني، أصوات الأطباق التي كان يتبادلها الجيران، كان آنذاك شكل الحياة بسيطاً برغم ضيق العيش إلا أن النفوس كانت أكثر سكينة وسعادة وطمأنينة.
تسرد شيخة ديماس، واحدة من أقدم التربويات على مستوى الدولة، رمضان في ذلك الزمن الجميل.
بداية الحكاية
قبل موعد الأذان يبدأ التهليل والدعاء والصلاة وحلقات قراءة القرآن، حيث تغلف المنطقة بروح إيمانية هائلة تحيط بالجميع، فيما يتوجه الرجال إلى مسجد الزرعوني، لأداء صلاة المغرب، وبعد ذلك يتوجهون إلى منازلهم لتناول الإفطار، والدي، رحمه الله، كان بيته عامراً بالزوار دوماً، لقبه يوعان إلا أن مجلسه كان عامراً مشرعة أبوابه ليتناول وجبة الإفطار من يفد إليه برغم المفارقة الغريبة إذ إن لقبه »اليوعان« ..
وهي كلمة باللهجة المحلية تعني الجائع، حيث اعتادت جدتي، رحمها الله، أن تناديه بهذا الاسم منذ طفولته بسبب مواصلة القول بأنه جائع فكبر معه الاسم يوعان السبوسي إلا أن اسمه الحقيقي عبيد.
بساطة مع العمال
وتواصل شيخه سرد ذكرياتها فتقول لايزال بيت عبد العزيز بن حميد القاسمي في فريج الشيوخ المعروفة الآن بمنطقة الحصن محفوراً في ذاكرتي بأدق التفاصيل وكـأنه أمس، إذ كان بيته من أكبر البيوت ومجلسه العامر حديث الجميع، كان رجلاً ذا هيبة وبشاشة اعتاد، رحمه الله، أن يجمع العمال البسطاء الذين يعملون في »الفرضة« (الميناء) وعمال السوق ليتناول معهم طعام الإفطار برغم أن أمه الشيخة مريم كانت تعد له إفطاراً خاصاً به..
إلا أنه يحمل صينيته ويتناول إفطاره مع العمال، ما زالت صورته وهو وعمال البناء بقطعة الخيش التي تغطي رؤوسهن وأيديهم بجانب يد الشيخ يأكلون من قصعة واحدة حاضرة، تتابع: هذا مشهد يختزل معنى الحياة البسيطة المبنية على القيم والخير والتراحم.
رائحة الذكريات
وتصف رمضان بالقول: رمضان لمة الأهل ورائحة الزعفران إعداد الفطور والسحور والتحلق حول المائدة الرمضانية المليئة بأصناف الطعام التي تبادلها القاطنون في الحي بمحبة..
وود، وتكمل حكاية رمضان في أجمل الأزمان، كان يقطن بجوارنا شخص اسمه عبد الكريم سويدان من سوريا الشقيقة اعتاد أن يرسل لنا طبق شيش برك، مذاقه لايزال في فمي برغم أننا الآن نعيش في قصور ونعمة كبيرة لكن للبساطة نكهة أخرى لا يشعر بها إلا من جربها.
ثراء فكري
تقول شيخة: كنت طالبة مجتهدة في المدرسة وأكبر حفيدة لجدي علي بن راشد بن ديماس السويدي، وقد أثرت شخصيته ومجالسه العامرة بأهل العلم والمعرفة في بناء شخصيتي. كنت أسمع نقاشات ضيوفه من العراق ونجد مما جعلني أتمتع بثراء فكري وذهنية عالية.
وتتابع: كان برنامجنا متابعة التلفاز ومذاكرة الدروس. نخرج عصراً من فريج الشيوخ ونصل إلى فريج المزاريع وتحديداً بيت أحمد بن سالم المزروع، رحمه الله.
ولا نشعر بالجوع أو العطش كان كل شيء ممتعاً وذا قيمة. وعند قرب انتهاء رمضان نستعد لعيد الفطر السعيد بوضع »حنة غمسة« ويربطون لنا أيدينا حتى الصباح، وما يعلق في النفس رائحة الحناء التي تزكم الأنوف لأنها من شجرة يتم قطف أوراقها وتجفيفها، لكن حتى الحناء الآن ليست ذاتها.
الأم الحنون
حالياً نفتقد الروح الجميلة والسكينة التي سادت في ذلك الوقت، لكن الكرم والجود سمات متجذرة في أبناء الإمارات؛ فلا أحد ينام جائعاً بحمد الله لأن حكومتنا حكومة تهتم بالكل، ودولتنا مثل أشعة الشمس، والأم الحنون التي تحتضن كل قادم لها دون تفرقة بعرق أو لون أو جنس أو ديانة فكل الجنسيات تحت مظلة الإنسانية.
بساطة الماضي
تقول بأسى: نفتقد عبق رمضان، بساطة المائدة التي لم يكن فيها سوى الهريس والثريد بلا سلطات، وفي السحور أرز، بيض ولوبياء ولبن رائب ولقيمات، وجبات محددة وسفرة فقيرة، لكن لها لذة وطعم، البيوت صغيرة والصدور واسعة لكن اليوم البيوت شاسعة لكن الصدور ضيقة بسبب ضغوطات الحياة ومشاكلها.
مع المعشوقة
تسرد قصتها مع معشوقتها (التعليم) فتقول: ترعرعت وعملت في سلك التربية لسنوات وما زلت جزءاً لا يتجزأ من الجسد التعليمي. تعود إلى البدايات فتقول: حين كنت معلمة في بداية حياتي المهنية دأبت على توجيه الطلبة والهيئة التدريسية والإدارية بعدم التذمر لأن الصيام لله والصبر على الجوع والعطش والإحساس بالآخر أحد أهم الدروس التي نتعلمها من الشهر الفضيل، وأذكر من التربويين الفاضلين الذين مروا في حياتي عبد المعطي مراد وليلي المزين من فلسطين من أهل الخير.
مرحلة البراءة
وتعود إلى الوراء أكثر وأكثر فتقص علينا حالها في مرحلة الطفولة قائلة: في مرحلة الطفولة الأولى كنّا في الصيف نعيش في منطقة الغوير بجانبنا مدرسة الشارقة المتوسطة »فريج العسيلي بعد الرولة« في الشتاء تحت الرولة وفي الصيف فوق الرولة.
وتتابع: تتلمذت في مدرسة فاطمة الزهراء بالمرحلة الابتدائي والإعدادي والثانوي ثم انتقلت للتدريس وفي الفترة المسائية أكملت دراستي الجامعية تخصص موجه لغة عربية ودراسات إسلامية.
وبدأت كمعلمة أذكر حينها كانت مديرتي فاطمة مصبح السويدي وهي من أفضل الشخصيات التي أدين لها بفضل كبير كما عملت مع مديرة أخرى فيها كل معاني القيم هي عائشة سالم الهاجري »المديرتين رسموا شخصيتي حيث تعلمت الجد والاجتهاد والحرص على تأدية الأفضل من الأستاذة الفاضلة فاطمة، أما من صقلت منظومة القيم لدي فهي الأستاذة عائشة والآن أفتخر أن في حياتي شخصيات تركت أثراً كبيراً.
وتستكمل سيرتها: درست في الزهراء لأعود إليها بعد سنوات كمديرة وتذكرني هذه المدرسة بعبق العلم لأنها من أقدم المدارس على مستوى الدولة وأنا أوجه لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، بأن يبقي اسم هذه المدرسة شامخاً لأن هناك توجهاً لإحلالها لقدم المبنى.
وتستطرد لقُبت في المدرسة فريق ركن بسبب حبي للنظام والانضباط، كما ربطتني علاقات مودة واحترام بين العاملين والطالبات، تعلمت من عملي في رابعة العدوية كمعلمة ومن ثم انتقلت إلى الرملة التي كانت آنذاك أول مدرسة بنين، وخلال هذه الفترة أنهيت الدراسة الجامعية مع مرتبة الشرف، ثم أصبت بمرض في الدماغ مما اضطرني للسفر الدائم لتلقي العلاج وأعود لعملي »المرض لم يقعدني عن أداء مهمتي التي حبها يسري في عروقي مسرى الدماء«.
وأضافت عودت معلماتي على المسؤولية، وتشارك العمل، والتعاون وليس الاتكالية، ومن كثرة ارتباطي بمن عملت معهم لايزال عندي غروب للتواصل اسمه »أشبيلية«.
أبوي سلطان
بيوت الشيوخ كانت مجالس مفتوحة للعامة وهم مازالوا على النهج بقربهم إلى أفراد الشعب، ولا أنسى موقفاً شهدته مؤخراً في جامعة الشارقة وكان صاحب السمو حاكم الشارقة، حفظه الله، يفتتح مؤتمراً علمياً بجامعة الشارقة..
وعند انتهاء مراسم حفل الافتتاح توجهت لإلقاء التحية على سموه وكان بصحبته عدد من الشيوخ والوزراء وثلة من مديري الجامعات فناديته (أبوي سلطان.. أبوي سلطان) فما كان من سموه إلا أن ترك الحضور وهرع مسرعاً ليلبي نداء ابنته؛ هذا موقف يعكس التلاحم الذي أتحدث عنه حينها دموع الفرح تحجرت في عيني.

