منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.

واحد من الرعيل الأول من أبناء الإمارات الذين انخرطوا في عالم الرياضة وواكبوا النهضة الرياضية في الدولة منذ بدايتها ورافقوا مسيرتها الحافلة بالبطولات والإنجازات حتى الآن.

تمنى له والده أن يتبوأ وظيفة مرموقة، تمكنه من الإسهام في خدمة الوطن فأراده أن يصبح طياراً حربياً يدافع عن أرض الوطن، ويذود عن عزته وكرامته، إلا أنه استشعر ولع الابن الأصغر بالرياضة وشغفه بالتعليق الرياضي فافسح له المجال.

إنه عبد المحسن فهد الدوسري الأمين العام المساعد للشؤون الرياضية في الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة، من مواليد جزيرة دلما في أبوظبي، سافر وهو صغير مع أسرته إلى قطر، وبدأ حياته الدراسية في مدرسة صلاح الدين هناك إلى أن وصل إلى الصف الرابع الابتدائي ليعود مع أسرته ثانية إلى مسقط رأسه في العام نفسه الذي تولي فيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقاليد الحكم في الإمارة عام 1966.

في رحاب المجالس

يتذكر الدوسري أن والده كان يذهب إلى مجلس المرحوم حسين بوعلي، وفي أحد الأيام رافق والده لحضور هذا المجلس الذي كان ملتقى عامّاً لكبار الشخصيات، حيث التقى والده الدكتور عبدالله عباس، الذي كان مديراً لمدرسة الشرقية (محمد بن قاسم) فيما بعد بشارع حمدان في أبوظبي، وعندما طلب منه الوالد أن أكمل دراستي في هذه المدرسة وافق على الفور.

ولم يمضِ طويلاً حتى انتقل من مدرسة محمد بن قاسم إلى مدرسة جابر بن حيان حيث انتهى من الصف السادس الابتدائي ليكمل المرحلة الإعدادية والثانوية في «ثانوية أبوظبي».

يقول «درس معي العديد من الزملاء والشخصيات منهم السفير عيسى حريمل وكان سفيراً في إيران والسعودية ومحمد القبيسي والشيخ حمدان مبارك ومحمد داغر المرر وغيرهم الكثير.

بدأ شغفه بالرياضة منذ كان طالباً في السنة الأولى في الثانوية العامة حيث بدأ بتنظيم المسابقات الرياضية والدورات الرمضانية، وكان يتعاون مع مدرسي اللياقة البدنية في تكوين فرق رياضية خاصة كرة القدم حيث يشتد التنافس بين مدارس العين وأبوظبي.

ويضيف «كانت الحياة في المدرسة جميلة كنا نهتم كثيراً بالأنشطة الرياضة وأذكر مديرنا في المدرسة وهو سميح حرز الله رحمه الله والأستاذ محمد حماده وكان الحكام الذين يحكمون في الدوري كانوا يحكمون في المسابقات الرياضية كانت الحياة بسيطة وسهلة».

تحت قبة الجامعة

في عام 1976 تم افتتاح جامعة الإمارات، كجامعة حكومية تم إنشاؤها بمبادرة من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مدينة العين، حيث أراد لها أن تكون جامعة اتحادية ذات هوية عربية إسلامية ومصدر إشعاع حضاري للفكر والثقافة والعلوم، وفي العام الثاني انخرط يوسف الدوسري ضمن الدفعة الثانية من الطلاب.

وقال في تلك الفترة استهواني التعليق على مبارايات كرة القدم منذ مرحلة الثانوية العامة وارتبطت بتليفزيون أبوظبي، وبدأت بالتعليق على مباريات مسجلة، وبعد فترة قصيرة انخرطت في التعليق على المباريات المباشرة، وكان معنا أمير الرفاعي مسؤول الأنشطة الرياضية ومعلقان آخران أمثال الكابتن مراد رفعت والكابتن ميمي الذي كان معلقاً رياضياً وحكماً في الوقت نفسه.

يتذكر الدوسري عدد الأندية في أبوظبي في تلك الفترة نوادي: الأهلي والفلاح والوحدة والاتحاد والعين والتضامن في العين والخالدية «الجزيرة حالياً»، والبطين ونادي الشرطة وكان يرأس الأخير الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان وزير الداخلية وهو أول رئيس لاتحاد كرة القدم على مستوى الدولة.

ويقول:«لم يكن هناك اتحاد للطلاب، كانت هناك لجان رياضية وكان رئيس الجامعة عبد الله عمران تريم الرئيس الأعلى للجامعة وكان وزيراً للتربية والتعليم، وبدأنا بتشكيل لجنة عليا للجمعيات الثقافية واللجان الرياضية، وأنا مع بعض الزملاء ترشحت للجنة الرياضية ونجحت مع زملائي عيسى مهنا وعبيد سالم ومحمد مخلوف.

يتذكر عبد المحسن الدوسري«كنا اقترحنا تنظيم يوم رياضي جامعي في السنة تشارك فيه جميع الأندية والطلاب في الدولة وبدأنا في نادي العين وفتح لنا أبوابه واستمر تنظيم هذا اليوم لمدة 6 سنوات فيما بعد وكانت تمارس فيه معظم الألعاب الرياضية حتى أطلق عليه اليوم الأولمبي.

ويستطرد الدوسري: «بعد التخرج في الجامعة كان باب التوظيف في تلك الفترة بأبوظبي مفتوحاً على مصراعيه وفي كل المجالات، ولكن حبي وميولي للرياضة دفعني دفعاً إلى الأستاذ أحمد عبد الله أبو حسين، الذي كان قد انتقل للتو من منصب أمين عام الجامعة إلى رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، ومن المفارقات أن مقر المجلس الجديد كان في نفس مدرسة«الشرقية» في شارع حمدان وقابلته وأبديت رغبتي في العمل بالمجلس فرحب على الفور، وذهبت إلى إبراهيم راشد في الخدمة المدنية بالمجلس وقدمت أوراقي وعندما قدم لي طلب التوظيف كان به ثلاثة اختيارات للوظائف فقمت بملء الرغبات الثلاث بأنني «أرغب في العمل بالمجلس الأعلى للشباب والرياضة» وبعدها ذهبت ضمن بعثة إعلامية لدورة الألعاب الآسيوية وبعد العودة علمت بأن مجلس الإدارة وافق على تعييني وبدأت العمل.

وأتذكر أنه عندما علم والدي بالوظيفة الجديدة لم يكن سعيداً لأنه كان يرغب في توظيفي بمهنة أخرى ولما استشعر إصراري على مزاولة العمل الرياضي، قال لي كلمة لازلت أذكرها قال «أنت رجل وأعمل ما بدا لك» ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل في المجلس وتدرجت من رئيس قسم إلى وكيل مساعد لشؤون الشباب والرياضة كما عملت في القطاعات الأهلية في اتحاد الكرة لمدة 8 سنوات وقبلها عملت في نادي الوحدة واللجنة الأولمبية وخلال هذه الفترة كونت علاقات كثيرة ومتشعبة سواء على مستوى الدولة أو دول التعاون أو الدول العربية والآسيوية.

ومن المواقف التي لا ينساها عبد المحسن الدوسري ما حدث في دورة الخليج الأولى التي أقيمت في مدينة زايد الرياضية بأبوظبي وكان في آخر سنة بالجامعة وكان من المفترض أن يعلق على تلك المباريات التي تزامنت مع موعد الامتحان النهائي، وعندما عرض الأمر على أستاذة الجامعة الدكتورة نازلي وافقت على تأجيل الامتحان له بعد انتهاء الدورة .وقال«عشقي للرياضة جعلني أختار موضوع «كأس الخليج» مشروعاً للتخرج في الجامعة وكان الدكتور عادل بدوي مشرفاً ووجهني بأن يتضمن البحث النواحي التنظيمية والإدارية والمادية وكل ما يتعلق بدورة كأس الخليج.

مدرسة الشيخ زايد

يستذكر الدوسري «كان والدي يحرص على حضور مجلس الشيخ زايد، رحمه الله، في قصر البحر وكان يأخذني معه إلى هذا المجلس الذي كان يناقش كل الأمور المتعلقة بالنهضة الحضارية لدولتنا الفتية وهذا المجلس كان بمثابة ملتقى للشورى وتبادل الآراء والأفكار وظل والدي حريصاً على حضور هذا المجلس حتى مع تقدم العمر وضعف نظره وفي أحد الأيام كنا قد هممنا بالخروج من قصر البحر بعد انتهاء المجلس وأمسكت بيد والدي فإذا بالشيخ زايد رحمه الله يوصيني ببر الوالد ويقول لي«اقبض أبوك ـ الله الله في أبيك».

ويعتقد الدوسري أن «المجالس مدارس» ويقول إنا على المستوى الشخصي تعلمت الكثير من المجالس سواء في الصغر أو الكبر فمن خلالها تعرفنا على الشخصيات الكبيرة والمؤثرة وأكسبتني المعارف وتجارب الكبار وتعلمت فنون الإدارة والحكمة والصبر والوطنية والإخلاص في العمل. وأتمنى من الجيل الجديد أن يواظب على حضور تلك المجالس وهي بفضل الله لاتزال قائمة وتزدهر في شهر رمضان الفضيل.

إنجازات كبيرة

يؤكد عبد المحسن الدوسري أن الرياضة في دولة الإمارات مثلها مثل كل القطاعات الناجحة في دولتنا الفتية فعلى مدار الأربع عقود الماضية حققت إنجازات عديدة وعلى كل المستويات فما تحقق في كرة القدم مثلاً يعد إنجازاً رائعاً لم تحققه العديد من دول العالم حيث لعبنا في الأولمبياد وحصلنا على ميدالية ذهبية ونأمل تحقيق المزيد في أولمبياد ريو دي جانيرو المقبلة كما وصلنا إلى كأس العالم وحققنا بطولة الخليج وحصلنا على ثاني آسيا ورغم ذلك فالطموح لدينا ليس له حدود في المستقل.