منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.
«ليس باستطاعة أحد آن يتجاوز ميراثه، والذاكرة دوماً حبلى بالحكايات وتزخر بمفردات الحي والعائلة وتفاصيل الحياة البسيطة التي أنتجتها.. وتظل إطلالة شهر رمضان الكريم دوماً مختلفة، إذ تحمل في ثناياها ألق القلوب الطيبة العامرة بالإيمان وقصص الجدات والأمهات اللواتي تهفو القلوب إلى لقائهن وهن يجمعن العائلة في أحضانهن».
بهذه الكلمات البسيطة تؤسس خولة الملا، رئيسة مجلس الشارقة الاستشاري لحديثها عن روحانيات الشهر الفضيل، وعن نشأتها وطفولتها وتعليمها ومسيرتها الوظيفية وأخرى معقودة في ناصية هذا اللقاء الذي يحاول الاقتراب من «المنطقة المظلمة» في النصف الآخر من حياتها، وإضاءتها وتعريفنا بها.
المرأة الأولى
خولة الملا هي أول امرأة تتقلد رئاسة المجلس الاستشاري في إمارة الشارقة، بالانتخاب، وتقول إن وقوف «الرجل» إلى جانبها ودعمه لها وثقته بها، عوامل أسهمت في وصولها إلى هذا المنصب، مضيفة: «هذه التجربة الديمقراطية رسالةٌ موجهة لجميع شعوب العالم بأن المرأة في وطننا هي أخت الرجل، وأعتقد أن مسؤولية رئاسة المجلس هي مسؤولية وطنية بامتياز».
النشأة
وبالاقتراب من نشأتها وتعليمها، تقول الملا: نشأت في حي الشرق القديم في الشارقة على ضفاف بحر الخليج من أسرة ممتدة، وأنا أصغر إخوتي، وما زال صوت والدي، رحمه الله، وهو يرتل القرآن بعد صلاة الفجر يرسم ويسيج ذكريات طفولتي، وما زالت رائحة خبز «الخمير» الذي كانت تحضره والدتي تداعب أنفاسي، هذه النشأة البسيطة وسط أسرة متدينة وحاضنة للأبناء، يسرت لي سبل العيش الكريم، وحفزتني على العلم، وجعلني أنطلق من بيئة آمنة إلى معترك الحياة في وطننا الذي تُقدر فيه الفتاة، وتُحترم من الرجال قبل النساء.
علم وعمل
أما مسيرتها التعليمية فانطلقت من مدرسة أسماء الابتدائية، ثم الشارقة الإعدادية، فثانوية الزهراء، قبل الالتحاق بجامعة الإمارات، والتخصص في مجال إدارة الأعمال والاقتصاد الذي لم تعمل بشهادته، وإنما عملت معلمة، لتعذر عملِ الفتاة في القطاع الخاص في ذاك الوقت، وتدرجت في مسؤولياتها من معلمة إلى مساعدة مديرة إلى مديرة مدرسة ثم إلى مدير تنفيذي في وزارة التربية والتعليم، ثم مدير تنفيذي لإدارة مراكز التنمية الأسرية منذ العام 2010 وحتى الآن، بجانب عضوية كل من مجلس صندوق الزواج حتى العام الماضي، واللجنة النسائية لجمعية الشارقة الخيرية، واللجنة العليا لإحصاء الشارقة.
لم تكتف الملا بشهادتها الجامعية الأولى، بل واصلت طريق العلم، وحصلت على «دبلوم القيادة» من جامعة زايد، و«دبلوم في الإدارة»من تقنية طالبات الشارقة، ودبلوم ثالث في المجال نفسه من جامعة الإمارات، قبل أن تنال عام 2014 درجة الماجستير من جامعة الشارقة في مجال العمل الاجتماعي والإرشاد الأسري.
وقالت الملا: نحن نعيش في دولة أكرمت أبناءها بالكثير من الفرص والعطايا والمنح والخير الوفير وعلينا كأبناء شعب ومسؤولين أن نبادر دائماً إلى دفع عجلة التنمية وتحفيز موظفينا على مواصلة العطاء من خلال اكتساب العلوم والمعارف وخدمة الآخرين، انطلاقاً من أن زكاة العلم تعليمه، وزكاة الخبرة نقلها للأجيال.
صقل التجربة
لدى رئيسة المجلس الاستشاري تجربة صقلتها بخبراتها وتواصلها مع مجتمعها، ومشاركتها في الأنشطة والفعاليات، سواء عندما كانت على مقاعد الدراسة والجامعة، أو من خلال أدوارها الأخرى في المجتمع، مؤكدة أن بناء العلاقات مع الناس أساس لاتساع دائرة المعرفة والاطلاع على قضايا المجتمع، وكما نعيش في مواسم صيف وشتاء فالإنسان لا بد أن يقتنص مواسم عمره في التعلم والخير والمبادرة.
تضيف في هذا الجانب: من ضمن المواقف المحفورة في الذاكرة هي تعاملنا مع القضايا الأسرية واطلاعنا على الكثير من تفاصيل الحياة لدى الكثيرين، ما أعطانا دفعات لتحسين أدائنا في المجال الأسري والاجتماعي، لا سيما على صعيد بناء الأسرة التي تعد نواة المجتمع السليم.
القيادة والمرأة
«ثمة عوامل أخرى أسهمت في بناء وتشكيل شخصيتي» تقول خولة الملا وهي: وجود قيادة تدعم المرأة، وتثق بقدراتها، والمثابرة والتخطيط السليم، والحرص على تبني منظومة قيم ومبادئ انطلاقاً من فهم الذات والآخرين، والقدرة على إدارة نفسي ومن حولي، وهذه المنهجية لا شك أنها إذا ما توفرت في أي شخص فإنه سيصبح إنساناً مطمئناً، ويستطيع إنجاز أي مهمة أو مسؤولية، بجانب الخبرة المتراكمة من المجالات التربوية والاجتماعية والعلاقات المتعددة والتي كانت سبباً في إعطائي البعد الثقافي والمعرفي في أن أقود المجلس الاستشاري، والجانب الآخر.
مواسم الخير
وبالانتقال إلى روحانيات ومعاني رمضان لديها، واختلافه عن رمضان في السابق، تقول الملا: رمضان بالنسبة إلي تجديد للروح والفكر وسباق في العبادة والعمل والتقرب الى الله، وقديما كنّا نشعر بمظاهر هذا الشهر على المائدة الممتدة بكثرة الأفراد الذين يتحلقون حولها، حيث كنا نفطر على تمرة ثم نصلي ونعود لتناول وجبة الإفطار، ثم إن رمضان زمان كان محطة للتنافس على إظهار القدرة على الصلاة والقيام وتحمل المشقة، ولا أنسى في طفولتي حرصنا على الصوم منذ كنّا صغاراً، والذي تعلمناه من أمهاتنا وآبائنا، حيث كنّا نلمس مدى حرصهم واستعدادهم للطاعة.
يوم رمضاني
أما يومها الرمضاني فيبدأ منذ الفجر، وتقول إن قمة عطائها يكون في هذا الشهر الذي تحرص فيه على العمل، وقراءة كتاب الله خلوة ما بين صلاتي العصر والمغرب، دون أن تغفل عن مساعدة بقية أفراد العائلة في إعداد وجبة الإفطار، ثم الجلوس معهم بانتظار مدفع الإفطار، قبل الاستعداد لأداء صلاتي العشاء والتراويح في المسجد.
وتضيف: أحرص في عطلة نهاية الأسبوع على زيارة أقاربي، ودعوة الأخوة والأحفاد وأبناء العم والصغار للحضور إلى البيت بحضور والدتي، زيادة على حرصي في هذا الشهر على أداء مناسك العمرة متى شاءت لي الأقدار.
وكل من يتقلد أي دور أو منصب عليه أن يكون قدوة لباقي زملائه، وأن يكون دائماً سفيراً لوطنه في خلقه وتعامله بالأدوار هذه وجدت لمنفعة الآخرين ولنا في حكامنا وشيوخنا قدوة حسنة في تواضعهم وقربهم من شعبهم ورديفنا في ذلك رسالة للإعلام بأنه لا بد من وجود سياسة عامة للإعلام حتى يعبر بمصداقية عن قضايانا.
قدوة ومعلم
في حياة كل منا قدوة ومثل، وصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، وقرينته الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي هما قدوة ومعلم الملا، فسموهما لديهما اهتمام كبير بالثقافة والعلم والطفل والأسرة، ثم إن الشيخة جواهر القاسمي دفعتنا كطاقم عمل تحت رئاستها إلى المضي قدماً نحو تطوير قدراتنا، وتلمس احتياجات المجتمع وتوفيرها، خصوصاً فيما يتعلق بقضايا الأسرة التي تعد محور اهتمامنا، نظراً لحساسيتها وأهمية عيشها بأمن واستقرار، وكان للجمعيات النسائية والاتحاد النسائي العام وباقي الجمعيات الدور في مشاركتهم لنا برسم رؤية لبناء الأسرة في الدولة.

