منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.
صديق فتح علي آل خاجة، أحد رجالات الوطن الذين تشربوا الوطنية في بواكير حياته منذ أن كان طالباً في المرحلة الابتدائية، ويحمل في جعبته ذكريات عدة لمراحل مرت بها الدولة وعاصرها عن قرب مع أصحاب السمو الشيوخ وقيادات الدولة، وكان قريباً من مراكز صناعة القرار في تلك الفترة.
وعاش آل خاجة قساوة وصعوبة الحياة قبل بدايات تكوين الدولة، وعرف معنى الكد والتعب في تلك الفترة، وينعم حالياً مع أبنائه وأحفاده بالحياة الرغيدة الهانئة السعيدة مواصلاً دوره الوطني كأحد رجال الأعمال المعروفين بالدولة، والأهم من ذلك فإنه يعد من كبار المحسنين ورجال الخير والعطاء الذين لا يتوانون على مد يد المساعدة لكل من يطرق بابه وقيامه ببناء الكثير من المشاريع الخيرية والإنسانية والمساجد داخل الدولة وخارجها.
البداية
ولد صديق آل خاجة في أبوظبي في العام 1943 على يد المولدة أو «الداية» في ذلك الوقت فاطمة عبلاوية المهيرية، حيث لم تكن في أبوظبي مستشفيات وكانت الولادة طبيعية، ولم يكن المجتمع يعرف الولادات القيصرية المنتشرة حالياً.
ودرس آل خاجة على يد المشايخ في الكتاتيب مثل الشيخ درويش بن كرم في أبوظبي والشيخ سالم بن جمعة عبيد الظاهري ومحمد هلال الظاهري بالعين ويرجع بالذاكرة إلى الوراء، ويتذكر أن من قام بإجراء عملية «الختان» أو ما يطلق عليها الطهارة له مع مجموعة من الأطفال في ذلك الوقت هو: بن طوليب الظاهري في مدينة العين، وأقام الشيخ هزاع بن سلطان آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الشرقية في ذلك الوقت حفلاً بهذه المناسبة.
7 أيام من أبوظبي إلى العين
ويقول صديق آل خاجة إنه على الرغم من صعوبة الحياة قديماً، وما كنا نعانيه من شظف العيش إلا أن كل شيء كان جميلاً في وقته، وكانت الرحلة من مدينة أبوظبي إلى العين أو العكس تستغرق في تلك الفترة 7 أيام بلياليها، وكنا نقصد العين في فصل الصيف لأن الجو بها جاف، وأفضل من أبوظبي في تلك الفترة وللحصول على الماء والرطب. وكان 70% من أهالي أبوظبي ينتقلون إلى العين صيفا.
الكتاتيب
ويضيف إن التعليم في تلك الفترة كان في الكتاتيب، وكان المطوع الذي يقوم بالتدريس لهم هو الشيخ محمد سميح وابنه الشيخ غالب، وأنه تعلم حفظ القرآن والكتابة والأشعار لدى المغفور له الشيخ درويش بن كرم في أبوظبي في عام 1946– 1947 وفي العين عند الشيخ سالم بن جمعة بن عبيد بن طنا الظاهري والشيخ محمد هلال الظاهري مع مجموعة من أبناء المنطقة في الشتاء في أبوظبي والصيف في العين.
ويشير إلى أنه التحق بالمرحلة الابتدائية في العام 1951 لدى المعتمد البريطاني وكان اسمه «باكمستر» وكان يطلق على نفسه حمد، وهو اسم إماراتي، وكان يرتدي غترة وعقالاً وكندورة ويمسك بالعصا مثل أبناء البلد، ويزور الأهالي ويجاملهم في أفراحهم وفي المناسبات، ويتحدث اللغة العربية بطلاقة وكان يدرسنا اللغة الإنجليزية في المساء.
ويتابع آل خاجة قائلاً: إن باكمستر كان يعتبرنا بمثابة أبنائه وأعطانا رسالة ليتم تحويلنا للدراسة في شركة أدما العاملة عندما كان اسمها سابقاً شركة «بي بي» بريتش بتروليم أو شركة البترول البريطانية.
ويوضح أنه بدأ الدراسة في أدما في العام 1957 وتمت مناشدة المواطنين في أبوظبي والعين بالالتحاق بالدارسة في معهد «أدما المهني»، وقبلها درسنا في المدرسة الفلاحية التي بناها الإنجليز وأهدوها إلى حاكم أبوظبي في ذلك الوقت المغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان الشقيق الأكبر للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي وباني ومؤسسة اتحاد الإمارات.
السيارات الأربع
ويعود صديق آل خاجة إلى الوراء ليقص علينا حكاية السيارات الأربع التي أحضرها الإنجليز في العام 1944 إلى أبوظبي موزعة إلى الشيوخ «شخبوط بن سلطان، وهزاع بن سلطان، وخالد بن سلطان، وزايد بن سلطان» وحدث أن انقلبت سيارة الشيخ هزاع بن سلطان وراء منطقة المقطع المعروفة حالياً بجسر المقطع ولا توجد ورش تصليح أو فنيين، وكان والدي صديقا للشيخ هزاع ومنح والدي السيارة هدية وقام والدي بإرسالها إلى البحرين لإصلاحها واستغرق ذلك ثلاثة أشهر. وكان والدي أول مواطن يمتلك سيارة في أبوظبي وكانت ماركة فورد بيك أب لونها أخضر.
إدارة حركة النقل
وصديق آل خاجة حاصل على دبلوم هندسة من معهد أدما المهني وأكمل دراسته في بريطانيا في العام 1962 وعمل مع الشيخ شخبوط بن سلطان كمترجم وتم تكليفه بتولي منصب نائب رئيس البلدية عندما كان الشيخ سلطان بن شخبوط رئيسا للبلدية والشرطة وكلف بإدارة حركة النقل والمواصلات في أبوظبي إلى 1966 وفي السادس من أغسطس من ذلك العام تولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حكم أبوظبي.
حكمة زايد
ويتذكر هنا قصة تعكس وتؤكد حكمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان في بداية توليه حكم أبوظبي، وعندما كان يتولى رئاسة حركة النقل والمواصلات في أبوظبي، حيث لم يكن هناك عمل ولا تجارة وكانت بداية النقل بالسيارات وكان بعض أصحاب السيارات يجمعون أو «يلقطون» الحصى ويجمعونه في أكوام في أماكن متفرقة من أبوظبي، واشتكوا من عدم وجود عمل وطلبوا منه أن يقابل الشيخ زايد وينقل له شكواهم وبأنهم سيتوقفون عن جمع الحصى، فكان رده رحمه الله أنه يعرف ما يقوم به وأكوام الحصى التي يجمعونها، وطلب الشيخ زايد منه أن ينقل لهم بالاستمرار في العمل وجمع أكبر كمية من الحصى لأن أبوظبي ستشهد مشاريع وأعمالاً وسيزيد الطلب على الحصى لأن سموه كان يعرف أن أبوظبي مقبلة على عملية تنمية ومنحهم المال للإنفاق على سرهم، وبعد ذلك تحقق ما قاله الشيخ زايد واستخدم الحصى في بناء الجسور والمطارات والعديد من المشاريع بفضل الحصى الذي جمعوه من السهول وسويحان وأبو سمرة ومناطق مختلفة.
20 ولداً وبنتاً
ويضيف أنه تزوج في العام 1964 ولديه 15 ولداً و5 بنات من أكثر من زوجة جميعهن يتولين مناصب بالدولة في مختلف التخصصات منهم ضباط ومهندسون، وأنه قام بتربية أبنائه على الصدق والأمانة وإرشادهم إلى الطريق الصحيح، وأن يكونوا مع الله وقريبين منه، وزرعت في نفوسهم حب الخير ومساعدة الآخرين وأن يبتعدوا عن الأخطاء وينصح أبناءه بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر ولا يفعلون إلا ما أمر به الله.
عضوية أكثر من 165 جمعية
ويعود إلى الوراء لأكثر من 48 عاماً عندما بدأ في تلك الفترة في مجلس آباء أبوظبي، ورئيساً لمفوضية الكشافة أبوظبي وعضويته في أكثر من 165 جمعية أهلية ونفع عام في الدولة وأنه حريص على حل مشاكل الناس ويسعد بذلك.
حول العالم
ويشير إلى أنه سافر حول العالم 3 مرات بشكل رسمي في مهام عمل ومع الشيوخ، ولكنه سافر بمفرده ومع بعض الأصدقاء والأصحاب منهم المغفور له الفريق حمودة بن علي، وزير الداخلية الأسبق وغانم بن حمدان الظاهري وسيف بن محمد الظاهري وما زلت أمارس هوايتي في السفر حتى الآن.
ويقول إنه يتحدث 7 لغات العربية والإنجليزية والأوردية والفارسية واليابانية والفرنسية والإيطالية بالإضافة إلى بعض الكلمات الألمانية.
رمضان شهر العطاء
وعن ذكرياته في شهر رمضان المبارك يقول صديق آل خاجة: رمضان بالنسبة للدول العربية ومنطقة الخليج والإمارات شهر العبادة والعمل والعطاء والتسامح والرحمة ويجب على الإنسان أن يمد يده لكل محتاج ولا يخذل أحداً في هذا الشهر الفضيل بقدر المستطاع.
زايد قدوتي
ويوضح صديق آل خاجة أنه يعمل في مجال العمل الخيري والإنساني منذ سنوات طويلة، وأن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان قدوته في هذا المجال لأنه رجل العطاء، ونحن نواصل السير على نفس النهج، ولم أتوان عن عمل الخير ومساعدة أي محتاج، مشيراً إلى أنه الزكاة للمحتاجين في الشهر الفضيل، ويخصص يوماً للرجال وآخر للنساء، ولكن العمل الخيري والإنساني لا ينقطع على مدار العام، ونقدم المساعدة للمسلم وغير المسلم وأي محتاج يأتي إلى المنزل يحصل على مال الله.

