منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.

للماضي تفاصيل وأحداث جميلة في نفوس الجيل القديم لا سيما في رمضان الذي تظل ذكرياته علامة بارزة لدى الكثيرين كونه محطة للتواصل واللقاء، مع الأصدقاء والأقارب والمعارف، تلك الذكريات التي تظل محفورة داخل كل شخص منا مهما كانت مكانته ومسؤولياته، خاصة أنها مرتبطة بروحانيات هذا الشهر الكريم.

يرى الشيخ عبد الملك بن كايد القاسمي، المستشار الخاص لصاحب السمو الشيخ سعود بن صقر القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم رأس الخيمة، أن شهر رمضان الفضيل يختلف عن باقي أشهر العام بعادات وتقاليد الناس فيه، فإلى جانب البعد الديني المتمثل في الصيام والصلاة والقيام فإن الشهر فرصة لتصفية النفوس ومد حبال الود والمحبة والتسامي على الصغائر بين أفراد المجتمع، وهذا ما كان يميز مجتمع الإمارات قديماً، حيث كان الناس ينسون جميع الخلافات بينهم بمجرد حلول ليلة النصف من شعبان استعداداً لهذا الشهر الفضيل بنفس صافية متسامحة.

ذاكرة عامرة

في ذاكرة الشيخ عبدالملك الكثير من الأحداث والذكريات والمواقف التي تظل محفورة في وجدانه كونها ارتبطت بأشخاص عزيزين على النفس، صنعوا تاريخ هذه الأمة، قائلاً:«كوني انتمي للأسرة الحاكمة، لم تخرج تربيتي عن النهج الذي تحرص عليه كل أسرة مواطنة على تنشئة أبنائها عليه، عبر غرس مجموعة من القيم والأخلاق في النفوس منذ الصغر مروراً بقيم الوفاء والإخلاص، في إطار الطبيعة القبلية لمجتمعنا والتي تنتظم تحتها كافة تلك القيم الأصيلة الراسخة، التي جعلت جميع أبناء الوطن مترابطين، سواء من سكان السواحل أو نظرائهم في الجبال والبادية والمناطق الزراعية».

طعم خاص

يضيف: «لا شك أن رمضان يحمل طعما خاصاً، حيث نجتمع في هذا الشهر المبارك عند الإفطار ثم أداء الصلاة لنبدأ الزيارات التي لا تنقطع طوال أيام الشهر الفضيل، وفي هذا المشهد الذي تفردت به دولتنا عن غيرها من الكثير من الدول في توفير الإفطار الجماعي للكثير من المقيمين على أرض الدولة، والذين يرون في هذا المشهد تعويضاً لهم عن الجو الأسري الذي كان يجمعهم بأسرهم في بلادهم، ويبرز في هذا الجانب دور القيادة الرشيدة والجمعيات الخيرية التي تتكفل بتقديم المساعدات في الداخل والخارج».

ويقول الشيخ القاسمي إن تطور الحياة أخذ الكثير من وقت الناس الذين كانت لديهم طقوس كثيرة في هذا الشهر مثل الاستماع للإذاعة، والحرص على وجود هذا الجهاز في المجالس للاطلاع على آخر الأخبار عبر نشرات الأخبار، كما لم يكن الناس يعرفون بداية رمضان ونهايته إلا من خلال الحاكم والقاضي بعد إجراء الحسابات اللازمة ورؤية الهلال سواء في بداية الشهر أو عند الفطر، فعقب معرفة الرؤية يبدأ الجميع بارتداء الملابس الجديدة ذات الألوان الزاهية.

طقوس رمضانية

«في رمضان تختلف تفاصيل حياتي اليومية».. يقول الشيخ القاسمي، ويضيف: «تكون ساعات الصيام طويلة ويبدأ يومي من وجبة السحور، ثم النوم بعد صلاة الفجر والاستيقاظ قبل صلاة الظهر والذهاب للمسجد لأداء الصلاة، وأفضل قيادة سيارتي خلال فترة الصيام وأجعل السائق يجلس بجانبي خلال إنجاز مهامي اليومية، ومع أذان المغرب يتواجد الجميع داخل المنزل ويكون الإفطار على مرحلتين الأولى إفطار خفيف والذهاب لأداء الصلاة ثم العودة مرة أخرى لتناول الوجبة الرئيسية».

يتابع:«بعد أداء صلاة العشاء والتراويح نبدأ زيارة الشيوخ ومجالس الأشقاء والأصدقاء للتهنئة بالشهر الفضيل، وعلى الرغم من ضيق الوقت، أحاول باستمرار حضور المناسبات العائلية والمجالس التي توثق صلات القربى بين الأهل وأفراد المجتمع، رمضان بالنسبة لي فرصة لقراءة القرآن والتفرغ للعبادة والتواصل مع الأهل».

ذكريات

ويرجع المستشار الخاص لحاكم رأس الخيمة بشريط ذكرياته إلى الوراء، مبينا أن الرحلة إلى إمارة دبي من إمارته، كانت تستغرق 8 ساعات بالسيارة، حيث كانت معظم السيارات «تغرز» في الرمال الناعمة طوال الطريق، «وكنا نساعد بعضنا البعض في تحريرها من تلك الرمال، وعلى الرغم من طول تلك الرحلة إلا أنها كانت بالنسبة للجميع شيقة وممتعة».

وعن علاقته بالمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان طيب الله ثراه، يقول الشيخ عبد الملك: لم يكن المغفور له بإذن الله الشيخ زايد شخصاً عادياً، بل كان مدرسة للجميع حيث تظل لقاءاتنا به طيب الله ثراه منارة لنا، وقد كنا محظوظين بأن استمعنا عن قرب لهذا القائد الذي وهب حياته لبناء وطنه وتطويره وتحديثه ليكون في سنوات قليلة ضمن أرقى دول العالم، فقد ظل حرصه على بث روح العائلة الواحدة منهاجاً راسخاً سار عليه الجميع حتى وصلنا اليوم لما نراه من توحد البيت وتوحد الإرادة خلف قيادتنا الرشيدة، والاحتفال في التاسع عشر من رمضان كل عام بيوم «زايد للعمل الإنساني» هو استذكار للنجاحات الكبيرة التي تحققت في عهده، ودوره البارز في العمل الإنساني على المستويين العربي والعالمي، وخلال سفراته كان يهتم بتفقد أحوال الشعوب والاستماع لمطالبهم وتنفيذها على وجه السرعة.

صقر القائد والإنسان

المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي كان حاضرا بقوة في حديث الشيخ عبد الملك القاسمي الذي قال عنه:«إنه نوعية خاصة من الحكام والقادة، قلما تجد له مثيلاً في تواضعه ومحافظته على القيم الأصيلة، والصفات التي يتحلى بها سموه كثيرة، حيث اهتم ببناء الإمارة على شقين الأول التعليم والثاني الأمن، فأولى التعليم تركيزه الأكبر باستقبال البعثات التعليمية وإنشاء غرف تعليمية بمناطق الإمارة، وأتذكر جيداً حينما كلف الشيخ صقر رجال الأمن بالطواف في سكيك الإمارة من أجل البحث عن كل طالب في سن التعليم وتسجيله في المدارس، بالإضافة للتوجه يومياً إلى المدارس للاطلاع على سجل الغياب والحضور، وفي حال تغيب أحد التلاميذ عن الحضور يقوم رجال الأمن باستدعاء ولي الأمر أمام الشيخ صقر وتصل العقوبة لسجن ولي الأمر، ومعاقبة الطالب إذا ما تغيب عن المدرسة دون عذر ولا يعفى عنه إلا بضمانة ولي أمره وتعهده بمتابعته والمثابرة في الدراسة وتلقي العلم».

هوايات

أما هواياته فهي: «الصيد بالبندقية، وهي هواية متوارثة أباً عن جد، وفرصة للتبارز مع الأصدقاء في ظل الأجواء الحماسية وروح التحدي، والتي تشعرني بالفخر والاعتزاز عندما أمارسها، وخلال الأعوام الماضية بدأت أفضل الصيد بالصقر لأنه طائر سريع ولا يخيب أملي عندما أرسله لصيد الطيور مثل الحبارى والكروان والحمام، علما أن أساليب الصيد قديماً كانت تعتمد على البندقية والصقور، أما اليوم فتعتمد على أساليب حديثة مثل الأفخاخ وبعض الأجهزة التي تخرج أصواتاً مشابهة لأصوات الطيور».

لبنان ومصر

عشقه للجبال، ومواقع الأودية والشعاب جعل من لبنان، بلدا مفضلا لدى مستشار حاكم رأس الخيمة في سفره خارج الدولة، «حيث تتمتع جبال بلاد الأرز بدرجات الحرارة المختلفة من قمة لأخرى بالإضافة لشعبه الطيب والمتحضر وذوقه العالي في الأمور الحياتية اليومية، أما مصر فلها مكانة خاصة في قلبي حيث استمتع بنُكَت شعبها الذي له حضوره الخاص في كل المواقف».

غرفة التجارة

ويقول الشيخ القاسمي إنه في العام 1967 رأى المغفور له الشيخ صقر ضرورة حماية تجار الإمارة ورعاية مصالح أبنائها، خصوصا وأن الناتج الزراعي كان كبيرا ويتم تصديره لدول الخليج العربي، فوجه بتأسيس غرفة تجارة وصناعة رأس الخيمة لتكون ثاني غرف الدولة بعد دبي، وشهدت مراحلها أول انتخابات حرة لأعضاء مجلس الإدارة بناءً على اقتراحه، موضحا انه ترأس في عام 1963 إدارة بلدية رأس الخيمة التي اهتمت بتوزيع الأراضي على المواطنين ونظافة الإمارة وتقديم جميع الخدمات التي يحتاجها أبناء الدولة.