محمد العبيدلي.. جندي مجهول خلف أسوار المؤسسات الإصلاحية

لكل عمل جنود مجهولون، يغدقون بالعطاء ولا يبحثون عن اسم أو جاه، وخلف أسوار المؤسسات العقابية والإصلاحية، جنود مجهولون، يقومون بأدوار مهمة، وجهود لافتة لا يمكن إنكارها، ومن هؤلاء، النقيب محمد عبد الله العبيدلي مدير إدارة تعليم وتدريب النزلاء في المؤسسات العقابية والإصلاحية بدبي، الذي يحرص على تهيئة النزلاء الذين يشكلون خليطاً من جميع الجنسيات الموجودة في الإمارات، للعودة كأفراد صالحين إلى المجتمع.

وعندما أتيحت له الفرصة للعمل في مكان آخر، لم يستطع أن يتأقلم خارج هذه الأسوار، لا سيما أنه شارك في تأسيس هذه الإدارة منذ البداية، فقرر العودة مرة أخرى، واستغل خبراته ومهاراته في تطوير الإدارة، لتصبح مدينة تأهيلية متكاملة خلف القضبان.

واستحدث النقيب محمد عبد الله العبيدلي، العديد من الشعب والأقسام داخل الإدارة، مثل: المكتبة والدراسة المسائية والحاسوب والمهن الحرفية، بالإضافة إلى التأهيل الاجتماعي والنفسي والديني والثقافي والعلمي والرياضي والمهني، كما أنشأ صالة رياضية للنزلاء، تضم رياضات مختلفة، مثل: «البلياردو والتنس وبيبي فوت والملاكمة»، فضلاً عن الرياضة البدنية.

كما أنشأ أقساماً حرفية، مثل الرسم على الزجاج والزراعة، حيث حققت الأخيرة نجاحاً وإقبالاً لافتين، ويقدم العبيدلي في كثير من الأحيان الاستشارات والاستفسارات، بل والتسهيلات القانونية للنزلاء حول قضاياهم، بالإضافة إلى بعض المساعدات المالية.

وحصل النقيب العبيدلي على دورة تدريبية في سجون جمهورية مصر الشقيقة، واطلع على أفضل الممارسات، وكان من أهمها فكرة إنشاء مزرعة، يمكن من خلالها استغلال مهارات النزلاء في زراعة المحاصيل المختلفة، اعتباراً من العلاقة الفطرية المتينة التي تربط بين البشر ونظم الحياة الخضراء، وفوائد العلاج بالطبيعة، حيث يشير العبيدلي إلى أنها تخفف من الضغط النفسي والقلق، وتسارع دقات القلب، ما يحسن النظام المناعي لأجساد النزلاء. كما أن الزراعة التي تبدأ بالاهتمام بالبذرة الصغيرة إلى أن تكبر وتصبح شجرة وتطرح ثماراً، تحفز لدى الشخص الاهتمام بأسرته وأبنائه، وتجعل منه شخصاً مسؤولاً، لذا، طبق العبيدلي 3 أنواع من الزراعة في مزرعة السجن، وهي: التقليدية والمائية والأكوابونيك.

ويحرص العبيدلي على أن يكون بابه دائماً مفتوحاً لاستقبال النزلاء، للاستماع إلى اقتراحاتهم وشكواهم، من أجل تطوير الخدمات التي تقدمها لهم الإدارة.

ويقول العبيدلي: «في البداية، واجهت العديد من التحديات، نتيجة عدم تمكني من استخدام الهاتف والشبكة العنكبوتية داخل أسوار المؤسسات، حتى إنني كنت أخسر مواعيد المستشفيات أو مواعيد الأصدقاء والأقارب التي كانوا يرسلونها لي على الهاتف، ولا أستطيع أن أتلقاها إلا بعد أن العودة للمنزل».

وأضاف أنه في بعض الأحيان يضطر للخروج خارج أسوار السجن لإجراء مكالمة ضرورية والعودة مرة أخرى، مشيراً إلى أنه في أغلب الأوقات، لا تتمكن عائلته من الوصول إليه عبر الهاتف، خاصة إذا كان يتفقد أحوال النزلاء خارج مكتبه.

ويذكر لنا النقيب العبيدلي موقفاً، حين حاولت مدرسة ابنه الاتصال به، لإخباره بأن ابنه مريض، ويجب أن يأتي على الفور لاستلامه، فلم تتمكن من الوصول إليه، بسبب أن هاتفه المحمول كان غير متاح، فاضطرت للاتصال بوالدة ابنه، التي بدورها حاولت الاتصال به على هاتف المكتب، لتخبره بأن حالة الطفل تستدعي قدومه على الفور، غير أنه كان يتفقد بعض العنابر. واضطرت زوجته أن تتصل بزميله على هاتفه الأرضي، لتطلب منه المساعدة في إيصال المعلومة لزوجها، وقام الأخير بالبحث عن النقيب العبيدلي بنفسه، وأخبره بأن ابنه مريض، وأن عليه أن يذهب إلى المنزل فوراً. لكل مهنة مشاق وتحديات، ولكن الأجمل، بحسب النقيب العبيدلي، الشعور بالفرحة والسعادة، عندما تساعد في تأهيل النزلاء وتهيئتهم للعودة للمجتمع، فهنا، تكون قد ساهمت بجزء بسيط في رد الدين لهذا الوطن المعطاء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات