المواجهة أفضل طريقة لإنهاء الخلافات

العنف الأسري أنهكها

العنف الأسري

قبل الزواج، كانت تعيش حياة ناعمة وهادئة، تحلم بفارس الأحلام الوسيم والطيب، الذي ينعم بمثل مستواها الفكري والأخلاقي في تربية الأبناء، وحب الحفاظ على صلة الرحم والأصدقاء، وبعد الزواج، اكتشفت أن هذا الشخص يختلف تماماً عن الصورة الجميلة التي رسمتها في مخيلتها، فتحطمت أحلامها الوردية، وبدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً، بالرغم من محاولاتها الكبيرة في الحفاظ على حب هذا الزوج، والتغاضي عن معاملته السيئة، لتعيش حياة طبيعية، وتحافظ على كيان الأسرة من الانهيار التام، ولكن دون جدوى، فاضطرت للجوء إلى مركز الاستشارات الأسرية بجمعية النهضة النسائية، بعد أن استحالت بينهما الحياة.

بدأ الشيخ عبد الله موسى اختصاصي رئيس وعظ وإرشاد في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، مستشار بجمعية النهضة النسائية بدبي، خبير التحكيم الأسري بمحاكم دبي، التدخل للإصلاح بينهما، وأفهم الزوج أن العنف الأسري يعتبر مهشماً الروابط الحميمة، وهادم أقدس المؤسسات، وهي الأسرة، ومولد الجفاء بين شخصين يفترض بهما أنهما متحابان، وأن العنف لا يقف أثره على الزوجين، بل يتعداهما إلى أولادهما، وربما إلى أحفادهما، إذا شب الأولاد حاملين عقداً نفسية تعوقهم.

الجفاء والقسوة اللذان تحملتهما الزوجة لسنوات طويلة، لم تمنعه خلالها عشرة ولا وجود الأبناء، ولا حتى الهموم المشتركة، إذ طالما سمع الأبناء صدى لصرخات ألم والدتهم، وبكاءها والضرب والقذف والسب، والكثير من التعدي، سواء الجسدي أم المعنوي. مشكلة العنف الأسري، تعد من أكثر المشاكل خطورة على مستوى الأمن الاجتماعي، كونها تخلق أثراً ملموساً يتعلق بالأسرة والأبناء، ولا يمكن التكهن بالأسباب المباشرة لهذا العنف، وهذا ما دفع الزوجة لطلب الطلاق، لتحقق حلم الحرية والخلاص من جحيم سوء العشرة، حتى لو كان على حساب ضياع السنوات التي قضتها مع زوجها، وضياع حقوقها.

حرص الشيخ موسى خلال جلسات الإصلاح بين الزوجين، على مواجهتهما، ومحاولة تقريب وجهات النظر تارة، والتحدث مع كل طرف على حدة تارة أخرى، وفي إحدى الجلسات التي واجههما معاً، بدت الزوجة منفعلة ومرتبكة الأفكار، وكأن خلايا دماغها في حرب صامتة، تنذر بفوران هائل، وسرعان ما خرج البركان عن سكونه، ليرسم ثورة الغضب، حيث بدأت بتسديد ضربات متلاحقة للزوج في غرفة المصالحة أمام المصلح، وسرعان ما أضحت ذات عيون محمرة ووجنات شاحبة، ثم طغا عليها الذبول ورجفة في أطراف الجسد، إنه الغضب، ذاك المتنفس الإنساني الوحيد، الذي يحمي الإنسان من نفسه وممن حوله.

بهذه الضربات التي سددتها الزوجة لزوجها في غرفة المصالحة، أخرجت مكنون نفسها من الغضب القابع منذ سنوات، تقاسي بسببه ضعفاً بين الضلوع، وإن كان هذا الغضب الإنساني يعتبر في ظاهره سلبياً، ولكن جوهره إيجابي، لا سيما أنها بدأت في التماثل للشفاء من ناحيته، ولولا ذلك، لتحول الغضب في داخلها إلى كابح متعطل، لتغدو معه كسيارة مجنونة تسير دونما اتجاه، فتجوب المكان لتحصد كيان الأسرة والأبناء أمامها، بسبب سوء معاملة الزوج.

وهذا أمر طبيعي في تفسير الغضب المتكدس في النفس البشرية منذ سنين، فتفسير الغضب ينحصر في سياق الخلل الكيميائي في الدماغ، وهو ما يحدث عنه ثورة مزاجية هدامة، فيخرج الإنسان عن هدوئه النسبي، ويتحول إلى هياج مرضي أحياناً، نجده يتسرب من بين خطوط حمر وضعها الإنسان لنفسه، ويتصرف في ضوئها، وتتغير ملامحه، وتكون ردود أفعاله مصحوبة بالعنف الجسدي، فيمكن أن ينهال ضرباً على نفسه، وعلى كل من حوله.

وكانت هذه الجلسة هي مفتاح الانفراجة بين الزوجين، الذين عادت الحياة بينهما لمجاريها، بعد أن أفرغت الزوجة ما في نفسها تجاه هذا الزوج، الذي كان يفتقر إلى كبح النفس، وتعلم أن القسوة والعنف لا يدمر إلا نفسه، وعاهد زوجته أمام المصلح، أن يعاملها بحديث الرسول الكريم القائل: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ» رواه مسلم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات