يبدو الأمر صعباً بعض الشيء، فالقضية التي نظرتها إحدى محاكم الجنح في الدولة ذلك اليوم، لم تكن عادية، تفاصيلها كانت موجعة، فقد احتكم أب مسن وابنه للمحكمة، لحسم خلاف عائلي بينهما، امتد لسنوات، فالمتهم أب طاعن في السن، والمشتكي شاب عشريني يدعى عبد الله، وجّه لوالده تهمة الاعتداء بالضرب وتحطيم الممتلكات.

سرد عبد الله أمام المحكمة تفاصيل الخلاف الذي دب يبنه وبين أبيه، بعد أن اختار فتاة للارتباط بها، لكن رغبته قوبلت بالرفض من قبل والده، الذي أراد له الزواج من ابنة أخيه، التي تمتاز، كما يقول، بالحسن والجمال والخلق القويم.

لكنه رفض متعذراً بأن العروس المختارة يعاملها كأخته، وأنه يحب فتاة، ويرغب بالزواج بها على سنة الله ورسوله، وبالفعل، تزوج من أرادها قلبه، وحلت القطيعة بين الطرفين، ومنذ ذلك الوقت وهو يتردد على أشقائه وأمه خفية عن أبيه، الذي حرمه دخول المنزل.

يوم الواقعة التي دارت رحاها لاحقاً في المحكمة، كان عبد الله في المنزل، يطمئن على والدته وأشقائه، ويتسامر معهم، حين فوجئ بدخول الأب إلى المنزل بشكل غير متوقع ومفاجئ، وبحوزته عصا غليظة، لينهال بها ضرباً على الابن، الذي حاول صد الضربات، لكن الخلاف استشرى، عندما توجه والده إلى حديقة البيت، ليحطم زجاج مركبة ابنه، ويأمره بالخروج من المنزل، وعدم العودة إليه مرة أخرى، مسدداً له سيلاً من الشتائم، وكان في حالة غضب وهياج، أعمته عن المحيط، فما كان من الابن إلا أن دفع والده ليقع أرضاً، وتوجه إلى مركز الشرطة، وفتح بلاغاً يفيد بتعرضه للاعتداء من أبيه.

مركز الشرطة لم يفلح في ثني الابن وإغلاق البلاغ، فقد كانت الإساءة والأسى كبيرين، بحسب عبد الله، الذي عبّر عن حزنه لما أقدم عليه أبوه، مشيراً إلى أنه حرمه من رؤية إخوته ووالدته، وكان يزورهم سراً كأنه لص، وأنه لم يفعل شيئاً سوى أنه تزوج من اختارها قلبه، ولا يريد زواجاً معداً، متسائلاً، هل اختيار المرء لشريكة عمره التي ستشاطره حياته، جريمة يعاقب عليها بكل هذه القسوة؟، الأب بدوره، فتح بلاغاً موازياً، واتهم ابنه بأنه اعتدى عليه، وتسبب له بجروح وخدوش، نتيجة وقوعه على الأرض.

خلاف امتد لسنوات، وقطيعة لم ينجح في إعادة أوصالها أحد، حتى وصل الطرفان بسبب تمسك كل منهما برأيه إلى طريق مسدود.

كان الوضع صعباً، الجاني والمجني عليه، أب وابنه، نظر إليهما القاضي، ووجّه التهمة بالاعتداء وتخريب الممتلكات للأب، وبدأ الابن يسرد قصة الخلاف بينهما، عندما عاجله القاضي بالآية الكريمة، بسم الله الرحمن الرحيم «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً».

وقال له: توصلوا لحل لخلافاتكما خارج ساحة المحكمة، فهي ليست مكاناً لكما، وردد أنتم في دولة الإمارات العربية المتحدة، أرض الكرم والمحبة والتسامح، ألا تعودون إلى رشدكم، وتتذكرون أن العلاقة بينكما أكبر من ذلك، هذا الرجل المسن تعب عليك ورباك حتى كبرت، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟.

وإذا أردتما الاستمرار بالتقاضي، فاعلما أن كلاكما خاسر، لا رابح في هذه القضية، وقتها أجهش الابن بالبكاء، واحتضن أباه، معلناً انتهاء قطيعة امتدت قرابة 5 سنوات. حِرص القاضي وتعامله مع الدعوى بشكل إنساني، وحواره الذي اتسم بالمنطق والحكمة، هو الذي أعاد المياه إلى مجاريها بين الأب وابنه.