حفاظاً على العائلة

تسامح مع أخيه فتنازل عن حصته في الميراث

كثيرةٌ هي الشواهد التي تعبّر عن النية الطيبة خلال المعاملات بين الناس، نذكر قصة لأخوين ظهر بينهما خلاف بعد وفاة والدهما على حصة من ميراث قدرها 600 ألف درهم، وأصرّ الأخ الأكبر على موقفه، وعدم تنازله عن هذا المبلغ، وأخبر «خصمه» ووالدته بأنه لن يفرط في حقه، ولن يسامح أحداً به، ثم ترك المنزل وأقام في مكان ثانٍ، بالرغم من تدخل الأم، ومحاولتها تسوية الموضوع بينهما بدون أي مشكلات أو نزاعات.

ولأن الأخ الأصغر كان حكيماً، وحريصاً على عدم خسارة أخيه مقابل المال، ويحمل في داخله نوايا طيبة، فقد آثر على نفسه، وقرر مسامحة أخيه، والتنازل له عن المبلغ المتنازع عليه، وأخبر والدته بذلك من باب الحفاظ على الأخوَّة، واكتفى بما تيسر له من مال واستثمره في التجارة، تماماً كما فعل أخوه الأكبر الذي اشتغل أيضاً في التجارة.

المفارقة في هذه القصة أن تجارة الأخ الأصغر الذي تنازل لأخيه عن الحصة التي كانا متنازعيْن عليها، نمت، وتوسعت، وعوضه الله أضعافاً مضاعفة عن تلك الحصة، في حين لم يوفق الأخ الأكبر في تجارة، وخسر كل الأموال التي استثمرها، ودخل في أزمة مالية عرضته للتهديد بالسجن، لكن أخاه الأصغر لم يتخل عنه، كما فعل «الأول» وقت النزاع على الميراث، ولم يقف متفرجاً عليه وهو يخسر تجارته، بل وقف إلى جانبه، وسانده، وجسد كل معاني الأخوة في التعامل معه، ورد إليه الإساءة بالمعروف، وكأنه يذكرنا بسيدنا يوسف، عليه السلام، عندما قال لإخوته «لا تثريب عليكم اليوم»، أي لا تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم.

ويؤكد أحمد عبد الكريم رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي الذي أطلعنا على تفاصيل هذه القصة، أن كسب المال لا يكون عبر الطمع والجشع، أو بالمتاجرة بروابط الأخوة والدم، بل يكون عبر الصدق، والأمانة، والنوايا الطيبة، والتسامح مع الآخرين بعد التسامح مع النفس.

ويقول: «تسامُح الأخ الأصغر مع أخيه الأكبر، والتنازل له عن الحصة المذكورة، هو أساس هذه القصة، وهو الدرس المستفاد منها، فلولا أنه تسامح معه، وتعامل بأخلاق حسنة، لما وقف الخلاف عند هذا الحد، فربما كانا سيتناحران، أو يعتديان على بعضهما البعض، أو ربما يتخاصمان ويفترقان إلى الأبد، وربما ينتقل نزاعهما إلى المحاكم، وتتعطل حياتهما وتجارتهما، ومن هنا تأتي أهمية التحلي بخلق التسامح بين الأطراف المتنازعة، فهو ليس معناه التنازل أو التساهل مع الآخرين كما قد يفهمه البعض، بل معناه الاعتراف بالآخر، واحترامه، والتغاضي عن زلاته إن أخطأ أو اعتذر، فذلك خلق المؤمنين».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات