ونحن نقترب من خاتمة الشهر الكريم علينا أن نتذكر ما منَّ الله تعالى به علينا من توفيق لصيام هذا الشهر الكريم وقيامه، ومن عمل صالح يرضيه سبحانه إن كنا قد أخلصنا عمنا لوجهه سبحانه؛ لأنه لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه، وعلى وفق شرعه كما قال جل شأنه {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } والعمل الصالح هو الذي يكون على وفق شرعه، والمرضي لديه؛
هو الذي يراد به وجهه وهو الإخلاص الذي أمر به عباده، كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، ولا يقبله إذا كان خالصاً له إلا على السنة» وهو يشير بذلك إلى قوله سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} فجعل سبحانه وتعالى الإخلاص شرط قبول العمل، وهو أمر له صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده، كما دل عليه الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه»
فالعمل على السنة والإخلاص لوجه الله تعالى هما جناحا قبول العمل عند الله تعالى كما قال سبحانه { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }
فمن كان قد وفق في هذا الشهر على ذلك فليبشر بفضل الله العظيم، فعليه أن يستمر في منهجه ذلك حتى يلقى الله عليه؛ لأن الله تعالى قد فتح له باب القبول فليلزمه حتى يلقاه، وإنما الأعمال بالخواتيم، كما صح به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخواتيم تأتي نتيجة لاستمرار العمل؛ لأن المرء لا يدري متى تأتي خاتمته، فهي مغيبة عنه، فكان على المرء أن يكون على أحسن الأحوال التي يحب أن يلقى الله بها، كما لو كان يظن لقاء ربه في يومه أو ليله، وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: أحزر لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.
وكان السلف الصالح - رحمة الله عليهم- في غاية الخوف من خاتمة السوء مع صلاح أعمالهم وقلة ذنوبهم، حتى قال بعضهم: لو عرض عليَّ الموت على الإسلام بباب الحجرة، والشهادة بباب الدار، يعني الشهادة في سبيل الله؛ لاخترت الموت على الإسلام على باب الحجرة، على الشهادة على باب الدار؛ لأني لا أدري ما الذي يعرض لقلبي فيما بين الحجرة إلى باب الدار.
واستمرار حسن العمل الذي كان في هذا الشهر بعد انقضائه دليل حسن الخاتمة؛ لأنه يعني الاستقامة التي طلبها الله تعالى من عباده، لتكون خاتمتهم سعيدة، فقد قال سبحانه: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} وأثنى على المستقيمين ثناء بالغاً، ووعدهم أجراً عظيماً، كما قال سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}.
ولذلك لما جاء سفيان بن عبد لله الثقفي رضي الله عنه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم قولاً جامعاً في الإسلام لا يسأل بعده أحداً؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قل: آمنت بالله، ثم استقم» لأن هذه الاستقامة تضمن خاتمة السعادة التي هي مناط الأعمال ومقصد الرجال، وهي التي قصدها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار».
وسنة الله تعالى في عباده أن من حافظ على أعماله الصالحة فلن يغير الله عليه حالا حتى يلقاه بحال الرضا.
إلا أن كثيراً ممن يختم لهم بخاتمة السوء هم الذين يتهاونون بالصلاة المفروضة، والزكاة الواجبة، والذين يتتبعون عورات المسلمين، والذين ينقصون المكيال والميزان، والذين يخدعون المسلمين ويغشونهم ويلبِّسون عليهم في أمور الدين والدنيا، والذين يُكَذِّبون أولياء الله، وينكرون عليهم بغير حق، والذين يدَّعون أحوال الأولياء ومقاماتهم من غير صدق، وأشباه ذلك من الأمور الشنيعة.
وعلى المسلم أن لا يزال سائلاً من الله حسن الخاتمة، فقد روي أن الشيطان يقول: قصم ظهري الذي يسأل الله تعالى حسن الخاتمة. ويقول: متى يعجب هذا بعمله! أخاف أن قد فطن.
نسأل الله حسن الخاتمة والموت على الإسلام والإيمان.
