شهر رمضان شهر تزكية النفس من رعوناتها، وتطهيرها من البخل والشح والأَثرَة، التي هي من الآفات القاتلة لدين المرء ودنياه، فيتزكى بالصيام الذي هو سر بين العبد وربه، فيكون في مقام المراقبة لله تعالى في نهاره وليله، ويصل إلى مرتبة المتقين وهي المرتبة التي جُعل الصيام سبيلا للوصول إليها كما قال الله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] أي لتصلوا بصيامكم الحقيقي عن شهوات النفس والهوى وعن جميع ما حرم الله عليكم في الصيام وغيره، إلى مرتبة التقوى التي تعني «الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل».
وهذه المنزلة كبيرة لا تدرك إلا بتزكية النفس كما أخبر الحق سبحانه بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9، 1] وقوله جل شأنه { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [الأعلى: 14]
فدلت الآيات على أن تزكية النفس موجبة للفلاح في الدنيا والآخرة.
ومن وسائل تزكية النفس إخراج زكاة المال، وزكاة الفطر التي هي زكاة البدن، فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها نزلت في زكاة الفطر، وتسمى زكاة البدن، أي أن البدن الذي منَ الله عليه بالوجود، في عالم الشهود، عليه أن يجود بقليل من الموجود، تعبيرا عن شكر الله تعالى الذي منَّ عليه بالوجود في هذا الوقت الشريف، ومنَّ عليه بالعطاء وإن كان قليلا.
ومن شكره سبحانه أن يعطف على إخوانه المسلمين بشيء من ماله، تعبيرا عن تضامنه معهم في حاجتهم كما قال ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر- أو قال: رمضان - على الذكر، والأنثى، والحر، والمملوك صاعا من تمر، أو صاعا من شعير».
فهذا الفرض الرمزي له دلالة عظيمة عند الله تعالى؛ من حيث كون المسلم يعطي وينفق ولو كان قليلا؛ لأنه يريد التخلق بخلق الكرم والعطاء، وذلك أمر يحبه الله تعالى، كما يدل على أن المسلم يستشعر إخوانه المسلمين الذين بهم حاجة ولو لم يكن هو غنيا، لكونها فرضا على كل مسلم يملك زائدا عن حاجة يوم العيد وليلته ولو كان قليلا، فيمنحها أخاه المسلم ليغنيه يوم العيد على الأقل حتى يشعر بسعادة العيد ولذته كما قال صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم»
فهي استشعار للأخوة الإيمانية التي هي أخوة حقيقية كما قال الله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ }.
وهي مع ذلك تكفير لما قد يكون من الصائم من اللغو أو الرفث الذي ينهى الصائم عنه كما قال صلى الله عليه وسلم: «وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم» وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات».
وقد أخبر الله تعالى أن الحسنات يذهبن السيئات، فقال سبحانه: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} وقال صلى الله عليه وسلم: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».
وهذه الفريضة القليلة القدر الكثيرة الأجر؛ يسن تأخيرها إلى قبل العيد بيوم أو يومين لتؤدي غرضها في التوسعة بالعيد، لكن لو أخرجها قبل ذلك فلا حرج كما يراه السادة الشافعية وكثير من أهل العلم، لاسيما إن خشي المرء النسيان، أو وجد المحتاج، وتيسيرا على الجمعيات التي تتقبل هذه الصدقات وتوزعها لمستحقيها، فإنها تحتاج وقتا كافيا حتى توصل الأمانة لأهلها.
وتخرج من غالب أنواع أطعمة البلد، ويجوز إخراج قيمتها بقيمتها؛ كما ذهب إلى ذلك السادة الأحناف، وهو ما يقتضيه مقصد الشارع من إغناء الفقراء، فإن حاجة الفقير لاسيما يوم العيد ليست طعاما فقط، بل هي حاجات بيته وعائلته الكثيرة التي ينبغي أن تراعى لدى المزكين والمتصدقين، فلذلك جاز إخراجها نقداً بقيمة صاع الطعام.
