لقد اْقتضتْ حكمةُ الله أن يتَدَّرج في أحكامه وتشريعاته مراعاةً للطبيعة البشرّية وِفْق ما يتجدَّدُ من الحوادث والقضايا فَهُو أدْعى إلى التّثبيتِ والقبول على مدى ثلاث وعشرين سنة، ولكنَّ كلامَ المولى وإن كان على حسب الوقائع تنزيلاً فإنّه على حَسب الحِكمةِ ترْتيباً، ومِنْ هُنا اْنبرى طائفةٌ من العلماءِ لبيانِ وجوهِ هذا التّرتيب القرآنيّ والْتماس ما بين سُوره وآياتهِ من مناسبات.

وإنّ النّاظر في هذا العلم يجدُهُ لوناً فرْيداً من الإعجاز القرآنيّ الذّي لاَ يأْتي إلاّ بالبحث عن صلةِ الآية والسّورةِ بما قْبلهَا وما بعدها مكمّلةً لها أمْ أنّها مستقلة، وبالنّظر في أغراضها ومقاصدها بدءاً وانتهاءً.

لقد نزل القرآن أَوّلَ ما نزل: لَيْلاً في ليلة القدرِ في العشر الأواخرِ من رمضان في فريضةِ الصّيام في شهر رمضان ثم تَبِعهُ (عيد الفطر) فكأنماَّ هو عيدٌ بنزولِ القرآن: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ لكنّ القرآن قد أتمَّهُ الله وأكمله في يوم عرفة نهاراً في العشر الأوائل من ذي الحجة في فريضة الحج ثم تبعه (عيد الأضحى) فكأنما هو عِيْدٌ بتمام القرآن وكمال الدين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ولذلك قال المحققّون: إنّ العشرَ الأواخرَ منْ رمضان لياليهِنّ أفضل ففِيْها (ليلةُ القدر) أفضلُ الليالي وأما العشر الأوائل من ذي الحجّة نهارها أفضل ففيها (يوم عرفة) أعظمُ أيّام الله.

ولئِنْ كانَ قولُه تعالى في سورةِ اقرأ ﴿ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ مِنْ أوّلِ ما نزل مِنْ كتاب الله، فإِنَّ قوله سبحانه ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ من آخر ما نزل.

ولا أدلَّ على هذا الارتباط مِنَّ سورة القصص الّتي نجدها لوناً بدْيعاً من المناسبات التّي أشار إليها الزركشي في البرهان والسُّيوطي في الإتقان وغيرهما ممّا يكشِفُ عن جميل الارتباط بيْن فاتحِة السُّورة وخاتمتها، ففي مَطلْع السّورة يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ* فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي* إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾

فإنَّه سبحانه في خاتمة السُّورة يقول تعالى مُبشِّراً ومخاطباً سيّدنا محمَّداً – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ......﴾

إشارةً وبشارة إلى أنَّ اللهَ الذّي رَدَّ سّيدنا موسى إلى أمِهّ نبيّاً ورسولاً بعدما خرج مِنْ وطنه كَمَا أخْرجك قْومُك فإنَّ الله سيرُدُّك إلى مكّة ظافراً فاتحاً منصُورا.

وفي بداية السّورة عندما كان سّيدنا مُوسى في مصرَ خائفاً يترقَّبُ دعا ربَّه ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ثم توجَّه إلى مَدْين حيثُ ساَقهُ القدرُ إلى سّيِدنا شعيْب لِيُجْريَ الله استجابةَ ذلك الدّعاء على لسانه ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ولَئِنْ دعا سّيدُنا موسى ربَّه في أولّ السُّورة ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ فإنَّ المولى في آخرِ السّورة نَهى نبِيّه أنْ يكون ظهيراً للكافرين فقال سبحانه لسيّدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِّلْكَافِرِينَ﴾.

وتَسْتفتحُ سورةُ الحاقَّة بقوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ فتنْتهي بقوله سبحانه ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِين فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.

وفي سورة الحشر تَبْدأُ السّورةُ بقوله تعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. لتنتهِيَ بقوله تعالى: ﴿.... يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

بدايات ونهايات

لئن بدَأتْ سورةُ الحديد بقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ فإنّها قد بدأت بما انتهت به السُّورة التي تسبقها في آخر آيةٍ من سورة الواقعة وذلك بالأمر بالتَّسبيح ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. كما أنَّ فاتحةَ سورة الواقعة ترتبط بخاتمتها ففي بداية السورة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ وفي الآية قبل الأخير ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾.

* أستاذ جامعي وإعلامي