التسامح مع الأرحام سعة في الرزق والعلم

ت + ت - الحجم الطبيعي

«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. دستور جليل وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحمل في طواياه معاني التسامح والتعايش، ويرسم خارطة للإنسانية جمعاء محورها قبول الآخر، ويبني مستقبلاً للمجتمعات لا يعرف الإقصاء. على امتداد الشهر الكريم نستشف عبق الأريج الإنساني في رسالة الإسلام، ونقف عند شخصيات من تاريخنا حققت معادلة الإيمان والإحسان.

كلنا في هذه الدنيا يرغب في الخير لنفسه، ويبحث عن النجاح في دنياه، ويطلب المال والرزق الحسن، وهذا الأمر قريب منا، يبينه لنا النبي، عليه الصلاة والسلام، بقوله: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، هذا الحديث فيه نوع من الحث والتشجيع وتهييج النفس نحو المبادرة، بقوله «من أحب» وذكر المال والعمر، وهذا أمر يحبه الكل، فجعل أسماعهم مفتحة، ووجوههم مقبلة ينتظرون الإجابة بحول كيفية الحصول على هذه النعم، فجاءتهم الإجابة في صلة الرحم، ومن هنا نبدأ، ومن هنا نشجع، ومن هنا ننادي بالتسامح والتقارب من الأرحام، وأن الذي ليس له خير لأهله يكون في ضيق من أمره، بعيداً عن البركة، لا يجد لذة التواصل الأسري في محيط أسرته، بل هو موعود بالعقاب في الآخرة إن تعمد هذا الصنيع وقطع أرحامه أو أسهم في قطع أرحامه، وفي المقابل هو من أعظم الأسباب الموصلة إلى الجنة، وجاء في حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم»، وقال: «أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» ويكفي الترغيب في صلة الرحم، ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله»، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كثيرة في هذا المقام، إلا أن السؤال يبقى وهذا هو الأكثر، لماذا أصل الأرحام الذين هم يقطعوني ويسيئون إلي؟

هذا السؤال يتكرر من البعض، والجواب في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم، ويجهلون علي ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل «الرماد الحار»، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك، فمعنى الحديث أنك بإحسانك إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم، وهو تشبيه بما يلحقهم من الألم بما يلحق أكل الرماد الحار، ومع ذلك شجعه أن يستمر وأنه لا يزال معه من الله ظهير عليهم، فإن كنت أمرت بالعفو والرفق مع من أساء إليك من عامة الناس، فما بالك بمسامحة الأرحام والرفق بهم! والواصل الحقيقي هو الذي يصل رحمه إذا قطعت وليس فقط يصلها إذا هي وصلته، كما جاء في الحديث «ليس الواصل بالمكافئ ولكن هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها».

وهنا الدور يكون على الوالدين في غرس هذا المفهوم لدى الأبناء منذ الصغر، يبينون لهم أن هذا الأمر لا بد منه وأنه من أصول الأخلاق الصحيحة، نعلمهم الأنساب حتى يتعرفوا على أقاربهم، كما جاء في الحديث «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم»، ومن هنا أقدم نصيحة للأسرة أن لا تقصر في هذا الأمر، حتى في حال الطلاق، لأنه ملاحظ ولوجود عدة قضايا في قاعات المحاكم تكون مقدمة من قبل الأب أو الأم للمطالبة برؤية الأبناء بعد الطلاق كون الحاضن يرفض أن يسمح للطرف الآخر أن يرى الأبناء، وهذا فهم خاطئ، وصنيع له آثار سلبية وخيمة، فالمتسبب في قطع الأرحام كأنه قطع رحمه أيضا، نعم قد يحدث الطلاق، ولكن من الخطأ إقحام الأبناء في هذا الأمر.

* رئيس شعبة إدارة الجلسات الأسرية في محاكم دبي

طباعة Email