هيئة آل مكتوم الخيرية.. نفحة عطاء في قرية سكنتها أشباح الموت

ت + ت - الحجم الطبيعي

نقف كل يوم عند محطة إنسانية تجلت فيها روعة التواصل بين الشعوب، وتظهر فيها يد الإمارات البيضاء الممتدة بالخير إلى جميع المحتاجين، في ترجمة عملية لشهر الخير والعطاء، كما نتنسم كل صباح عبق الذكر القرآني وبراعة التدبر والاستنباط تفاعلاً مع شهر القرآن.

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، أشعلت هيئة آل مكتوم الخيرية شعلة عطائها في العمل الإنساني والخيري، وراحت تطوف بها في جميع قارات العالم برؤية جليلة ورسالة مكتملة النمو، معلنة انطلاقة مسيرتها بدعم ورعاية وتوجيهات مؤسسها سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي، وزير المالية، لخدمة البشرية وبناء الإنسان وتلمس احتياجه حتى يعيش حياة كريمة تليق بإنسانيته وكرامته وفلسفة وجوده.

من دبلن عاصمة إيرلندا كانت انطلاقة برامج ومشروعات الخير والعطاء للهيئة، وأولى نفحاتها من خلال بناء المركز الإسلامي في العاصمة الإيرلندية دبلن عام 1996 وسرعان ما تمدد وجودها وسط الجاليات المسلمة في أوروبا وبين الدول الأفريقية والعربية والإسلامية.

وتباعاً استمرت المسيرة، وما زالت شعلة الخير تنشر ضياءها الأخلاقي والتنموي في المناطق المحتاجة، وتحديداً إلى التعليم وبناء الإنسان والعقول، كما هو حال إقليم دار فور الذي أنهكته الصراعات والحروب الداخلية، فكانت التوجيهات ببناء مجمع صحي تعليمي متكامل في إحدى القرى وسط الإقليم تسمى أرو الواقعة على تخوم جبل مرة ووادي أزوم.

تلك القرية التي لم يبقَ منها سوى الاسم، بعد أن نزح أهلها، ودمرت جميع بيوتها ومزارعها ومرافقها الأساسية، بفعل الحروب وغياب الأمن والاستقرار، كانت عبارة عن أشلاء حياة، أكوام حجارة وطين..

بقايا أمل بالعودة، إلا أن الأيادي البيضاء للهيئة تمكنت من بنائها من جديد، ونفخ الروح في فضائها وسكانها، من خلال بناء مجمع صحي وتعليمي متكامل وبئر مياه ومسجد، أسهمت جميعها في تشجيع الأهالي النازحين إلى العودة إلى قريتهم التي بدأت نطفة الحياة فيها تتشكل من جديد مع بناء أول حجر في المجمع.

وبالرغم من أن الحروب الطاحنة في تلك البقعة الملتهبة لم تجلب معها سوى الدمار والخراب والإقصاء الجبري للسكان، إلا أن الهيئة استطاعت بهذا المشروع أن تحقق ما لم تحققه الطاولات المستديرة وجولات المصالحة والتفاهمات بين القبائل المتنازعة هناك.

فبعد اكتمال إنجاز المشروع الذي دام ستة شهور، بدأ السكان بالعودة من مخيم نزوحهم الذي يبعد عن القرية 17 كم إلى جذورهم، وصار أبناء القبائل المتحاربة يدرسون على مقعد واحد، ويتلقون الخدمات الصحية في مركز صحي واحد، ويجتمعون في مكان واحد، وبذلك تكون الهيئة قد بنت قرية وسلاماً وحياة أكثر من كونها بنت مجمعاً تعليمياً.

فلسفة

»عندما تبنى مدرسة تبني حياة«... إنها الفلسفة التي حبكت هيئة آل مكتوم الخيرية خططها وبرامجها من خيوطها في تلك القرية، بل إن توفير التعليم ونشر المعرفة يعتليان أولويات الهيئة، ليس في قرية »أورو« وحدها وإنما في جل المناطق الفقيرة التي تستهدفها وتقصدها في مسيرة عطائها وتفردها، فكان للمدارس التي بنتها الهيئة في أفريقيا أثر كبير على المستويين الرسمي والشعبي خاصة أن سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم يتكفل بالبناء والتأثيث والمصاريف التشغيلية بصورة كاملة، الأمر الذي كان دافعاً لسموه للتوسع في هذا المشروع التعليمي، ولم يزل يضاعف بناء المدارس عاماً بعد عام حتى وصل عددها إلى نحو أربعين مدرسة تنشر العلوم والمعارف وتبني الرجال وتصنع القادة وأصحاب القرار في ثلاث وعشرين دولة أفريقية.

طباعة Email